ولد الشاعر والمربي أنور الجندي في السلمية بمحافظة حماة عام1917، تلقى دراسته الابتدائية والإعدادية فيها، وحصل عام 1938 على الشهادة الثانوية من الكلية الأرثوذكسية بـحمص وتخرج فيها أوائل الأربعينيات، دخل بعدها إلى ميدان التعليم وعمل معلماً في السلمية وطرطوس، وأمضى ما يقارب نصف القرن في هذا الميدان، وكان من المربين الناجحين إلى أن أحيل إلى التقاعد 1977، فتفرغ كلياً لنظم الشعر ولاسيما الشعر الوجداني الذي احتل الحيز الأكبر من كتاباته.

عاش الشاعر طوال حياته في سلمية الواقعة على تخوم الصحراء دون أن يفارقها أو يغادرها إلى المدن الكبرى كـدمشق وطرطوس وبيروت، وإن حصل فكان يعود سريعاً إلى بلدته التي ارتضاها مقاماً ورآها جنة موحية ألهمته الشعر الصافي والمعاني البكر والصورة البديعة والأخيلة المجنحة بعيداً عن ضجيج المدن وضوضائها ، وقد أتاحت له الحياة الهادئة في بلدته التفرغ للقراءة والاطلاع الواسع على الأدبين العربي والفرنسي، وأن يتأثر بأشهر أعلام الرومانسية والرمزية فيهما أمثال: إلياس أبو شبكة، يوسف غصوب، ولا مارتين ورامبو وبودلير وغيرهم، وانصرف إلى كتابة شعر الحب والغزل الرقيق منصتاً لصوت قلبه الخفاق ووجدانه المضطرم، يقول في إحدى قصائده:

يا نظرة من طرفه الأســــمر أندى على قلبي من الكوثر

تغلغلت في الصدر مرتاحة طريــــــــــة كالسوسن الأخضر

ألمح فيها أمـــــــــــــنيات الهوى مـــــخضوبة الأحناء بالعنبر

كأنــــــــما كـــــــــنا على مـــــــــوعدِ مـــخبأ فـــــــــــي رغوة الأعصر

 

تميز غزله بالرقة والعذوبة والشفافية والصفاء فهو يتغلغل في أعماق النفس بسهولة دون استئذان لأنه صادر عن قلب شفه الوجد ويدور أكثر شعر أنور الجندي حول الحب وما يعانيه المحبون من (جوى وشوق ووجد وألم وهيام) دون أن يلتفت إلى أغراض الشعر الأخرى إلا في القليل النادر، تأثر بالمدرسة الرومانسية وكذلك الرمزية، لكنها كانت رمزية شفافة غير مبهمة وكان قصير الأبيات في قصيدته فخير الكلام عنده ما قل ودلّ ففي قصيدته التي تحمل عنوان آلام التي أهداها إلى صديقه ألبير ديب قال:

 

هــــــجر الحـــــــــــياة فمــــــا يلذ لقلبه غير الحنين يـــــــمزق الأحشاءَ

خذني إليك فأنت أكرم صاحبٍ صان الشريف وحارب اللؤماءَ

كان أنور الجندي غزير الإنتاج للشعر وقد اعتبرته مجلة أصداء الأدبية الدمشقية أكثر شعراء العربية إنتاجاً في الفترة 1941-1945، فقد نشر شعره في عدد من الصحف والمجلات منها: المكشوف، الأمالي، الصباح، الدنيا، العرفان، النواعير، القيثارة، لكنه رغم غزارة إنتاجه الشعري لم يجمع شعره في ديوان واحد بل ظل مطوياً في الأدراج، إلى أن قام الأستاذ حسام خضور بجمع مختارات من شعره وإصدارها عام 1992 في ديوان تحت عنوان الزورق التائه، كما قام الشاعر مدحت عكاش في ذات العام بإصدار ديوان ثانٍ له تحت عنوان حداء الصحراء لأنه يحب أن يلقب بـشاعر الصحراء

أقام أنور الجندي العديد من الأمسيات الشعرية، وقد التزم خلال نظمه الشعر النمط العمودي الكلاسيكي مع بعض التجديد هنا وهناك، غير أن ثمة غنائية نضرة وحزناً شفيفاً جمعا بين بعض قصائده

رحل أنور الجندي صباح عيد الأضحى 4آذار2001، بعد معاناة مع المرض، وقد ظل قلبه شاباً رغم بلوغه سن الرابعة والثمانين يأسره الجمال وتسبيه الملاحة ويسحره الحسن والغنج والدلال ولسانه يردد:

حسبي وحسبك أن أموت وفي فمي عبقُ الحبيبْ.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع