ولدت "زكية حمدان" في "حلب" عام 1920، وحققت شهرتها بعمر العشرين تقريباً، كان والدها حسن سعيد حمدان فنّانا معروفا من مؤسّسي المسرح السّوري، خبيرا في ذوق أهالي مدينة حلب وبقيّة مدن الشّام بحكم احترافه للعمل المسرحي في تلك الرّبوع في أواخر القرن التّاسع عشر، وقد أحاطها مليّا من حيث عنايته بتثقيفها لغويّا وفنّيّا فعرّفها بأعلام الموسيقى والغناء، حيث كان يصطحبها في طفولتها إلى النّادي الموسيقي الشّرقي الذي أسّسه أحمد الأوبري وممدوح الجابري لحفظ الموروث الموسيقي والغنائي الشّامي على أيدي كبار شيوخ هذا الفنّ، فتعلّمت غناء الموشّحات والقصائد والأدوار والقدود على يدي الشّيخين علي الدّرويش وعمر البطش، والعزف على آلة العود.

غنت لأول مرة في حفل خيري أقيم لجرحى الحرب العالمية الثانية في 30 كانون الأول عام 1939، بحضور قائد جيوش المنطقة الشمالية في سورية، الفرنسي مونييه، على مسرح سينما روكسي، بإدارة لحنية للملحن "أحمد الأُبري"، وقد شارك معها في الحفل عدد من أساطين الغناء العربي وقتها، منهم المصرية "ليلى حلمي"، و"بكري الكردي"، وغيرهم.

هذه الحفلة فتحت لها أبواب المسارح ، ولأنه لم يكن لديها رصيدُ أغانٍ كبير، فقد عمدت إلى غناء الأغاني التراثية، التي تمرست بها من أدوار وموشحات "محمد عثمان" و"داوود حسني"،مع الملحن سليم سروة عام 1952

فمنذ بلوغها سنّ الخامسة عشرة في سنة 1940، بدأ اسمها يشتهر بين أهالي مدينة حلب، إذ أصبحت تستدعى لإحياء أعراسهم ومختلف مناسباتهم الموسيقيّة. وكانت في عملها ذاك تؤثّث وصلاتها من التّراث الحلبي والشّامي المتواتر منذ أجيال فكانت تقدّم بعض الموشّحات العربيّة الفصيحة والقدود الحلبيّة العامّيّة وبعض أغنيات محمّد عبد الوهاب وفريد الأطرش، والأغاني الشّعبيّة الفلكلوريّة الرّاقصة بشكل ملفت للانتباه إذ على الرّغم من الصّبغة الاحتفاليّة للأعراس التي تقدّم فيها هذه الأعمال، كان جمهور الحاضرين يستمعون لصوتها الرّخيم وإعاداتها المنوّعة المطربة بكلّ هدوء وإنصات واع، وكأنّ المشهد في إطار عرض رسمي على خشبة المسرح.

ثم غنت أغانٍ معاصرة لـ "محمد عبد الوهاب" كأغنية "الكرنك" المعروفة، و"زكريا أحمد" في أغنيته "أنا في انتظارك"، و"السنباطي" في مونولوجه "يا ظالمني"، وكلها كانت تغنيها "أم كلثوم"، إلا أن "زكية حمدان" تركت بصمتها الخاصة على هذه الأغاني بأدائها وبصوتها الرخيم، وأسلوبها المتفرد، وفق شهادات من تلك الفترة، منها شهادة من الملحن السوري المعروف "محمد محسن" في إحدى المجلات الصادرة تلك الفترة.

 

في الأربعينيات من القرن العشرين، ظهر في "مصر" أولاً، نمط الغناء الرومانسي كبديل من الغناء التراثي، وانتشر في الشرق العربي، ولم يكن هناك من الأصوات السورية، ما يليق بهذا النوع من الغناء قدر صوت وأداء "زكية حمدان"،

ظلّت زكيّة حمدان تزداد شهرة من سنة إلى أخرى حتّى مفتتح خمسينيات القرن الماضي ورغم بقاءها وفيّة للتّراث الغنائي الشّامي والحلبي، ورغم ترديدها لأشهر القصائد التي نجحت في الشّرق آنذاك ولا سيّما قصائد رياض السّنباطي لكوكب الشّرق أمّ كلثوم، فقد توجّهت زكيّة منذ بداية خمسينيات القرن الماضي وجهة أخرى محاولة الحصول على رصيد غنائي خاصّ بها. وبالفعل وبعد تجربة خمس وعشرين سنة، تمكّنت خلالها من تداول الموروث الطّربي الفلكلوري والمستحدث تبنّاها ثلّة من الشّعراء الغنائيين السّوريين

قبل نهاية الستينيات بقليل، انتقلت إلى بيروت، وكانت تشهد وقتها ازدهاراً فنياً كبيراً، واختارتها مقراً دائماً لها، ومنها كانت تنطلق إلى مختلف العواصم العربية لإحياء الحفلات والمناسبات، وبقيت على هذه الحال حتى رحيلها عن الدنيا، فقضت أواخر سنواتها في الكويت حيث وقعت عقداً خاصاً مع إذاعتها، وتوفيت عام 1987 ودفنت هناك، ولم تتزوج أبداً.

عبدالرحمن الويش