قامة أدبية وثقافية وعلمية وإنسانية سامقة، جعلت منها وزيرة للثقافة السورية وسيدتها على مدى ربع قرن، شكلت خلاله نهضة ثقافية وعملت على بناء هرم ثقافي سوري سجل حضوراً واسعاً ومميزاً في العالمين العربي والعالمي، إحدى أبرز النساء العربيات تاريخا وحضورا وتميزا، وعلامة فارقة في تاريخ المرأة العربية، والأولى والوحيدة التي وصلت إلى أعلى منصب سياسي تشغله امرأة عربية.

ولدت الدكتورة نجاح العطار في وسط أسرة دمشقية محافظة ذات مستوى ثقافي عال واهتمامات دينية واضحة، وكانت ولادتها في مدينة دمشق عام 1933 لأب قاض وشاعر كان من أوائل الذين نالوا درجة الحقوق في البلاد.

من أيام طفولتها كانت تحرص على رفع رصيدها الثقافي كي تستطيع مجاراة والدها في النقاشات التي يطرحها مع أبنائه، فقد كان الوالد حتى مع انتمائه إلى عائلة محافظة شفافا مع أبنائه يحرص على تنشئتهم بطريقة عقلية سليمة، وكانت الطفلة العطار أقدر من يستثمر مثل هذا الجو لتعبئة نفسها ثقافيا ونفسيا.

شاركت نجاح العطار منذ أيام الدراسة في النضال ضد الاحتلال في سورية والوطن العربي، وانتصاراً لقضية فلسطين، وساعدها في ذلك أجواء عائلتها المنفتحة، كما هيأت الأوضاع السياسية غير المستقرة في سورية حينها أن ينضج وعيها السياسي مبكراً، فمذ أن كانت طالبة في الصف الرابع الابتدائي بادرت إلى تحريض زميلاتها في مدرسة التطبيقات في حي الروضة الدمشقي على السير في تظاهرة لغاية مدرسة الفرنسيسكان مطالبة القائمين عليها بإخراج الطالبات للمشاركة في الإضراب احتجاجاً على سلطة الانتداب الفرنسي بداية الأربعينيات.

خاضت العطار حربا أخرى غير التي خاضتها مع الاحتلال، وهي الحرب ضد التخلف والقيم البالية، كانت تحمل شجاعة كافية كي تتحدى التقاليد الجامدة، العطار الحاصلة على درجة الدكتوراة بمرتبة الشرف من جامعة أدنبرة منعوها التعليم في الجامعة لأنها امرأة وكان يدرس في الجامعة رجال ليس لديهم شهادات بسبب النقص في الكادر التعليمي!!

شقت طريقها عبر التدريس في الثانوية فدرَّست في التعليم ثلاث سنوات أثبتت فيها المقدرة العلمية والتعليمية إلى أن انتقلت إلى وزارة الثقافة والإرشاد القومي عام 1962، لتعمل إلى جانب نخبة من المثقفين السوريين، كأنطون مقدسي وأنطون حمصي وحنا مينة وآخرين، في مديرية التأليف والترجمة التي ستتولى إدارتها لاحقاً.

تزوجت بالطبيب ماجد العظمة الذي رافقها إلى بريطانيا حيث درست الدكتوراة هناك ، وجمعت بين السلوك الرصين والأخلاق المحافظة وبين الفكر التنويري التحرري، بعد أن هضمت ثقافات عديدة بدءاً بالكتب التراثية والأمثولات الأخلاقية التي تلقتها على يد والدها في الطفولة.

تبحرت في الثقافة العربية، وأقبلت بنهم على الأدب الروسي وقرأته باللغة الفرنسية، مثلما قرأت الأدب الغربي بالإنكليزية، كما شكل انتقالها للعمل في مديرية التأليف والترجمة في وزارة الثقافة قفزة نوعية، لأنه أخرجها من التدريس المحدود، ليضعها في المكان الصحيح، وهو ميدان الثقافة والتأليف والترجمة، وهو الميدان الذي يناسب تحصيلها وطريقة تفكيرها، ورسالتها التي تؤمن بها، كما أنه قدّم للمديرية شخصية علمية متنورة، قادرة على أن تقدم رؤية جديدة لم تكن موجودة فيها.

شكلت شخصية الدكتورة العطار وطموحها وثقافتها وإبداعها امرأة رأى فيها الرئيس الراحل حافظ الأسد مشروعا نسويا وثقافيا يتجاوز حتى حدود سوريا وفي العام 1976 عينها وزيرة للثقافة، لتمكث في هذا المنصب حتى العام 2000.

خلال عملها في الوزارة أنعشت العطار الثقافة السورية وأثبتت من خلال الإنجازات على كافة المستويات أن المرأة السورية قادرة على فعل المعجزات ولم تكن وزيرة بقدر ما كانت مثقفة ضليعة، صديقة لأجيال من الأستاذة والمفكرين، وراعية ومشجعة لأجيال لاحقة من الشباب الموهوبين.

بالرغم من منبتها الأرستقراطي وميلها في البداية إلى الأناقة، إلا أنها حين تولت منصبها راحت تميل نحو البساطة في اللباس، مرتدة إلى تلك الكلاسيكية الشامية الحيية والمستحبة، في نأي عن لفت النظر، وذلك بغية للتماثل مع الناس للتواصل معهم، وهي إن غيرت الشكل حافظت على جوهرها وسلوكها المتواضع الدمث، وتهذيبها المفرط في التعاطي مع الآخرين أيا كان موقعهم، بل إن اللافت في شخصيتها احتفاظها بتلك الطفلة المتألقة والشابة الخجولة والمرأة الجسورة دون فجاجة أو افتعال، فلا يزال وجهها يحمر خفراً من المديح، ويترسل صوتها متألقاً لدى سرد الحوادث الطريفة، كما لم تتخل عن دورها كأم لولدين ربتهما على اكتناز الثقافة والعلم.

منذ عام 2000، حملت الدكتورة نجاح العطار أدواراً عديدة من خلال المركز الاستراتيجي لحوار الحضارات حيث عينها فيه الرئيس بشار الأسد مع مفكرين بارزين، بينهم عبد الله عبد الدايم وأحمد برقاوي، فبقيت على تواصل ثقافي مميز مع الثقافة والمثقفين في الداخل والخارج، وذلك في إطار أداء دورها الوطني الذي أسهم دون أدنى شك في تعزيز دور المرأة، وفي رسم صورة ثقافية متكاملة عن سورية وحضارتها في مرحلة تعد من أقسى المراحل التي مرّت بها سورية في العصر الحديث، إضافة إلى شغلها عضوية مجلسي إدارة جامعة القلمون الخاصة والجامعة الافتراضية في العاصمة السورية.

وفي آذار 2006، أصدر الرئيس بشار الأسد مرسوماً يقضي بتعيينها نائباً لرئيس الجمهورية، مفوضاً بتنفيذ السياسة الثقافية لتصبح بذلك أول امرأة في العالم العربي تشغل منصباً سياسياً على هذا المستوى.        

وترفض العطار القول إن الرئيس الأسد عيَّنها في هذا المنصب كونها امرأة، وتجيب «إن الخيار يقع على الأكفأ .. كما أن المرأة في وضع جيد منذ زمن بعيد .. لقد تجاوزنا المرحلة التي نتحدث فيها عن خطوات شكلية». كما قالت: «إنني مدينة لوطني ولرئيسي بشار الأسد لدى تعييني في هذا المنصب. إنني أعرف حرص الأسد على بناء الوطن وإحداث نهضة في مجال الثقافة وكل المجالات رغم الضغوطات الكبيرة لأن مسيرة الاصلاح ماضية».

 

تُعد الدكتورة نجاح العطار من أبرز النساء العربيات، وقد حصلت على الكثير من الجوائز وشهادات التقدير في سورية وخارجها، ومنها وسام شرف الاتحاد العربي لرابطة المحاربين القدماء تقديراً لتاريخها النضالي عبر كلمة الحق والموقف الصائب الذي ترافق على مدى عقود مع نضال أبناء الأمة في الدفاع عن قضيتها وصون هويتها وكيانها، وذلك بتاريخ 19 كانون الثاني 2010.

كرمتها وزارة الثقافة بمناسبة صدور مرسوم تعيينها نائباً للرئيس، وقد كانت في حفل تكريمها الذي أقامته وزارة الثقافة في 2006 حريصة على إظهار مشاعرها نحو المثقفين والرئيسين حافظ وبشار الأسد، فقالت: "بفضلكم أنتم المثقفين السوريين وبتعاونكم أنتم وصلت إلى ما أنا عليه، ولن أنسى ما حييت حين شرَّفني القائد الخالد حافظ الأسد باختياره لي كأول وزيرة في سورية ومنحني كل رعايته ودعمه للثقافة والمثقفين، واليوم أتشرف وأعتز بالمسؤولية التي منحني إياها سيادة الرئيس بشار الأسد في المجال الثقافي، لأن الثقافة أيضاً جبهة مقاومة ودفاع عن الهوية الحضارية للأمة".

لها العديد من المؤلفات، اتجهت في البداية الى الشعر، ثم تركته وحافظت على اللغة الشعرية في أعمالها التي تجلى فيها إبداعها، وقدرتها على التأليف الموسوعي في شتى مناحي وضروب الكتابة، سواء كانت ذات الطابع التوثيقي أو الدراسات، أو القصة، معظم كتاباتها اتخذت الطابع الوطني فقد كتبت الكثير عن بطولات الجيش العربي السوري ووثقت لحرب تشرين التحريرية.  

من أعمالها: أدب الحرب، دراسة بالاشتراك مع حنا مينة، دمشق 1974، سلسة "أدب المعركة – أيام حرب تشرين"- من يذكر تلك الأيام، قصص بالاشتراك مع حنا مينة، دمشق 1974، سلسة "أدب المعركة – أيام حرب تشرين".- نكون أو لا نكون، مقالات في جزئين، دمشق 1981- من مفكرة الأيام، مقالات، دمشق 1982- أسئلة الحياة، مقالات، دمشق 1982- كلمات ملونة- إسبانيا وهمنغواي والثيران- النسيج الثوري بين آذار وتشرين- حافظ الأسد، القائد الذي صنع التاريخ، دمشق 2011.

 

 

Comments are now closed for this entry