.. والحجة الجاهزة حماية الصناعة الوطنيةبعد شهر على تقييد كمياتها بـ3 آلاف طن..«اللجنة الاقتصادية» تراجع نفسها تحت ضغط الصناعيين وتجيز استيراده بسقوف مفـتوحة تحت رقابـة «الصناعة» و«الاقتصاد»

لم يمض شهر كامل على قرار السماح باستيراد 3 آلاف طن فقط من خيوط الأكرليك، بعد توقف استيرادها مدة شهرين تقريباً بناء على طلب أصحاب المعامل المنتجة، حتى عدل مجدداً عبر السماح باستيرادها بسقفٍ مفتوحٍ في ضوء الطاقة الإنتاجية للمعامل، لتنهي اللجنة الاقتصادية بذلك الجدل الدائر بشأن إشكالية ترشيد استيراد مادة أولية تعد عماد الصناعة النسيجية، في تأكيد جديد على دعم الحكومة للصناعة الوطنية وتأمين كل مستلزمات النهوض بها، ولكن هذا لا يعفي المعنيين من التساؤل عن أسباب هذا التذبذب غير المدروس في التعاطي مع هذه المادة الأساسية التي يفترض ألا تدخل في قائمة الترشيد أصلاً، وفي المقابل ما مبررات اعتراض الصناعيين والتجار على تحديد الكميات بالرقم السابق الذكر مع أن المستورد من هذه الخيوط لم تتجاوز تلك الكمية خلال الأعوام الثلاثة السابقة مجتمعة علماً أن استيرادها كان مسموحاً من دون قيود وخاصة ضمن الآلية الجديدة الصادرة في نهاية العام الفائت.
حل وسطي
وافقت اللجنة الاقتصادية في تاريخ 11-4 -2017 على السماح باستيراد 3 آلاف طن من خيوط الأكرليك عبر كل من المؤسسة السورية للتجارة والمؤسسة العامة للتجارة الخارجية بالتنسيق مع اتحاد غرف الصناعة لتغطية حاجة المنشآت المستخدمة لهذه المادة بغية تمكينها من الاستمرار في العملية الإنتاجية بناء على مقترح من وزارة الصناعة بترشيد استيراد هذه الخيوط لحماية المعامل المنتجة البالغة عددها معملين فقط، بينما يوجد 324 منشأة تعتمد على هذه الخيوط حسب المذكرة المقدمة من الصناعة إلى اللجنة الاقتصادية، التي طلبت موافاتها بدراسة تتضمن الطلب الحقيقي على خيوط الأكرليك في السوق المحلية والصناعات المعتمدة عليها والإنتاج الحقيقي، لتؤكد دراسة «الصناعة» أنه خلال الأعوام الثلاثة السابقة بلغت الكميات المستوردة قرابة 2400 طن حسب بيانات الجمارك أي دون الكمية المسموح باستيرادها، بينما بلغت الكميات الخيوط المستخدمة سنوياً بالنسبة للمنشآت الصناعية القائمة قرابة 6499 طناً حسب مديريات الصناعة المعنية بينما تنتج المنشآت المستمرة في الإنتاج 3533 طناً، وبناء على هذه الأرقام اتخذت اللجنة الاقتصادية قرارها بتحديد الكميات المستوردة بضعف الإنتاج المحلي، الأمر الذي لم يرق للصناعيين وخاصة المشتغلين بهذا الخيط، ومن خلفهم التجار المستوردون وهنا مع تحيزنا المطلق لحماية الصناعة الوطنية لكن يصعب الاطلاع على هذه الأرقام من دون أن تظهر إشارات استفهام لكون الكميات المستوردة أقل من هذا الرقم وخاصة خلال الشهور الأخيرة من العام الفائت بعد سماح وزارة الاقتصاد بناء على آلية الاستيراد الجديدة باستيراد خيوط الأكرليك من دون سقوف محددة، فمن أين جاءت كمية 4500 طن المجهولة المصدر؟!.
لماذا الكميات أقل؟
اعتراض الصناعيين على تحديد الكميات المستوردة بـ3 آلاف طن من الأكرليك مع أن الكميات المستوردة في سنوات سابقة أقل من هذا الرقم حاولنا استيضاحه من وزارتي الصناعة والاقتصاد، حيث أكد مدير الاستثمار الصناعي في وزارة الصناعة بشار زغلول أن أرقام الكميات المستوردة من الأكرليك، تكون بناء على ما حددته وزارة الاقتصاد من كميات حسب آلية ترشيد المستوردات، حيث كان لا يسمح باستيراد الكميات التي يطلبها الصناعي بغية الحفاظ على القطع الأجنبي، يضاف إلى ذلك ضعف الإنتاج في تلك الفترة بسبب الظروف الراهنة، لكن مؤخراً أصبح هناك إنتاج وتصدير بشكل يستدعي زيادة الطلب على هذه المادة الأولية لتشغيل المعامل مجدداً، لينفي على نحو قاطع أن يكون ضعف الإنتاج مرده إلى التهريب.
يرفض معاون وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية بسام حيدر إرجاع انخفاض الكميات المستوردة من خيوط الأكرليك إلى آلية الاستيراد، إذا كان يسمح باستيرادها ضمن كميات محدودة من دون المنع النهائي، علماً أنه في الآلية الجديدة الصادرة في تاريخ 8-9 -2016 سمح باستيرادها بسقوف مفتوحة لكن جرى توقيف إصدارها مؤقتاً خلال شهر شباط لإعداد دراسة عن حاجة المعامل المنتجة والسوق المحلية، ليتم تحديد الكمية بعد ذلك بـ3 آلاف طن ثم عدل القرار مجدداً عبر فتح السقف مجدداً، شرط التنسيق بين وزارة الصناعة والاقتصاد بناء على طلب الصناعي وما تقرره حاجة معمله، ليشدد على أن قلة الكميات المستوردة كانت تحددها حاجة السوق، الذي وحده يفرض الكميات المستوردة، من دون نكران أن توقف بعض المعامل عن الإنتاج وعمل أخرى في مناطق ساخنة ساهم أيضاً في تقليص الكميات المستوردة.
يتفق حيدر مع زغلول باستحالة أن يكون التهريب وراء انخفاض الكميات، ففي رأيه من يتحدث بهذا المنطق لا يعرف شيئاً فيقول: لا يعقل أن تهرب الخيطان وخاصة أن استيرادها مسموح ورسومها الجمركية منخفضة، فمن يريد التهريب لا يهرب هذه المنتجات وإنما يهرب مواد غير مسموح باستيرادها.
لا تضارب
وعند سؤاله عن تضارب القرار الجديد مع قرار اللجنة الاقتصادية الصادر منذ قرابة الشهر أكد عدم وجود تعارض أبداً، فاللجنة الاقتصادية أصدرت قرارها بناء على طلب المعامل المنتجة بينما اعترضت معامل الألبسة وأكدت أن حجم الخيوط المنتجة لا تكفي حاجة السوق، لذا سمح باستيرادها من دون سقف، مع إمكانية استيراد صاحب المعمل حاجته بنفسه أو عبر تاجر أو حتى المؤسسة السورية للتجارة ومؤسسة التجارة الخارجية.
انتقاد..وتراجع سريع
الرجوع عن قرار ترشيد خيوط الأكرليك بتحديد كميتها بـ3 آلاف طن بدا واثقاً من حصوله رئيس اتحاد المصدرين محمد السواح، المكنى بشيخ كار هذا الخيط، ليعبر عن رضاه عن ذلك بطريقة غير مباشرة عبر تخفيف حدة الانتقاد التي رفعها عند صدور قرار تحديد الكميات، نظراً لتأثيره الشديد في الصناعة النسيجية التي يعد عمادها كالقطن والبوليستر.
يوافقه منار الجلاد عضو غرفة تجارة دمشق بتأكيده أن القرار السابق بترشيد خيوط الأكرليك كان قراراً غير صائب لضرره الشديد على آلاف الورش وتسببه بتعطيل تنفيذ العقود التصديرية وخاصة بعد توقف جميع المعامل المنتجة لها في حلب البالغ عددها 5 معامل بينما لا يزال يشتغل معمل واحد فقط بدمشق من أصل 7 معامل، لن يقدر على تلبية كافة طلبات المصانع، منتقداً التعديل الجديد للقرار كونه يرهن عمل التاجر بموافقة الصناعي، ما يعني الرجوع إلى زمن الثمانينيات عبر بيع المخصصات للصناعيين بشكل يزيد التكاليف في ظل تقاضي عمولة زائدة، ما ينعكس على المستهلك والتصدير، مطالباً بمساواة التاجر والصناعي باستيراد المواد الأولية وخاصة أنها مستلزمات أساسية للصناعة وليست مواد للأكل أو الشرب.
بينما رأى مهند دعدوش عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها قرار ترشيد استيراد خيوط الأكرليك قبل التعديل الجديد حلا ًمقبولاً لكونه يساعد المعامل على تسوية أوضاعها ضمن الكميات المستوردة، مشيراً إلى تأييده وزارة الصناعة في دعم المعامل المنتجة لهذا الخيط، مؤكداً أنه لا مصلحة شخصية له بالسماح باستيراد هذا الخيط كونه يعمل في مجال آخر لكن الحرص على الصناعة المحلية فرض إعادة النظر بهذا القرار لضمان استمرار المعامل.
جمال العمر معاون وزير الصناعة كان له رأي مختلف كما هو متوقع بتأكيده أن القرار السابق باستيراد 3 آلاف طن فقط من خيوط الأكرليك جاء دعماً للمعامل المستمرة بالإنتاج من دون تأثير ذلك على المعامل المستخدمة لهذا الخيط بصناعاتها، وخاصة أن إصداره بعد دراسة كميات الإنتاج وحاجة السوق والكميات المستوردة مسبقاً، لكن إجمالاً تم حل هذه الإشكالية في السماح باستيرادها دون تحديد الكميات.
بابٌ للسمسرة والتهريب

يجزم السواح انه في حال عدم التراجع عن القرار السابق سيؤدي إلى فتح باب السمسرة حتى لو سمح باستيراد كميات إضافية بحيث سيؤثر تحديد الكميات في الصناعيين لصالح انتفاع بعض الأشخاص.
بدوره تساءل الجلاد لمصلحة من يرشد استيراد خيط الأكرليك، ما يفتح باباً للفساد والاحتكار والتهريب، فاليوم توجد عشرات المعامل في تركيا وتحديداً في منطقة غازي عنتاب تنتج الخيط نفسه، مشيراً إلى أن الخطأ لا يقتصر على الترشيد فقط وإنما بحصره بالمؤسسة السورية للتجارة كونها لا تستطيع تغطية حاجة السوق ومواكبة طلبات الموضة التصديرية، فهل كان يراد مثلاً تكرار تجربة البطاطا.
وهنا يؤكد محمد الصباغ رئيس لجنة العرقوب الصناعية في حلب انه منذ فترة تمت مصادرة قرابة 7 أطنان من خيط الأكرليك داخلة تهريباً من تركيا، ليشدد على أن الترشيد في مجمله يعد باباً للمحسوبيات والمتنفذين، فاليوم يفترض أن يكون هناك منع أو سماح بينما الحل الوسط لا يفيد حالياً، مشيراً إلى خطورة منع استيراد المواد الأولية للصناعة الوطنية المتضررة أساساً، لكن عموماً استيراد 3 آلاف طن يعد كافياً لتغطية الموسم الشتوي بالكامل، وهنا يشدد على ضرورة إصدار قرار يمنع استيراد المواد المصنعة بشكل كامل ولمدة سنة كحد أدنى تلتزم به وزارة الاقتصاد ولا يرهن بوزيرها لضمان عمل المنشآت بشكل فعال.

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع