المطلوب سياسات تجعل الهجرة من الريف خياراً وليس حاجةً

تاريخياً شكلت اليد العاملة الزراعية العمود الفقري للنشاط الزراعي السوري، ولاسيما أن نسبة مهمة من المواطنين السوريين هم من سكان الأرياف ، وحتى عهد قريب كانت الزراعة تمتص العمالة المتدفقة سنوياً إلى سوق العمل، وتشكل مظلة حماية اجتماعية من الأزمات الاقتصادية، نظراً لأن العمل في الزراعة لا يحتاج الكثير من الأموال، ولا يشكل ضغوطاً على مؤسسات التمويل، نسبة إلى بقية القطاعات الإنتاجية, حيث تؤكد بيانات المكتب المركزي للإحصاء أن نسبة المشتغلين في الزراعة شكلت 56% من اجمالي المشتغلين في القطر عام 1971, إلا أن العديد من التطورات المعقدة أدت إلى تراجع تدريجي كبير في تلك النسبة حتى انهارت إلى 6,8% عام 2014, وهي نسبة خطيرة جداً نظراً لحاجة الكثير من العمليات الزراعية إلى اليد العاملة المدربة والخبيرة, وهناك الكثير من الانشطة الزراعية عالية المردود لا يمكن تنفيذها بالآلة.

لقد دفعت الهجرة من الريف إلى المدينة خلال الفترة 1971 – 2011 نسبة المشتغلين بالزراعة إلى الانخفاض بشكل مفزع بلغت قيمته 42.8% من إجمالي المشتغلين في القطر خلال أربعين عاماً, أما الفترة 2011-2015 وهي السنوات التي تعرضت فيها البلاد إلى ذروة الأزمة الحادة والتي تركز معظمها في الأرياف السورية التي أجبرت الكثير من الأسر الريفية واليد العاملة الزراعية على مغادرة أراضيها والتخلي عنها فقد كانت مسؤولة عن تراجع نسبة المشتغلين بالزراعة بحوالي 3,7 % من اجمالي المشتغلين في القطر.

فما الهجرة ؟؟ وما حجمها؟ ودوافعها وتأثيراتها ؟؟؟ وكيف تتم مواجهة التحديات التي تفرضها

الهجرة تشكل جزءاً من تاريخ البشرية, ورافقت تطور المجتمعات, ولطالما كان تَنَقّلْ البشر جزءاً من عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية ومع تحول المجتمعات يتحرك الناس حتما داخل البلدان وفيما بينها بحثاً عن فرص عيش أفضل, ولطالما كانت تدفقات الهجرة الكبيرة مدفوعة بالكوارث الطبيعية والظروف المناخية والأحوال الجوية غير الملائمة وكذلك القيود المفروضة على الموارد الطبيعية.

الهجرة الريفية: وتمثل حركة انتقال من المناطق الريفية أو إليها، أو بينها، بغض النظر عن مكان المنشأ أو المقصد، أو مدة حركة الانتقال, وتشكل الهجرة من المناطق الريفية أو إليها أو بينها مكوناً أساسياً من مكونات الهجرة الداخلية أو الخارجية, وعادة ما تعد عملية الهجرة الريفية بسبب تعقيد العوامل الكامنة وراءها عملية متعددة الأوجه، تأخذ أشكالاً مختلفة، ويمكن للهجرة الريفية أن تكون دائمة أو مؤقتة، وغالباً ما تكون موسمية بين المناطق الحضرية والريفية بحثاً عن فرص عمل .

أنواع الهجرة الريفية:

وفقاً لمسبباتها ومقصدها يمكن تقسيم الهجرة الريفية إلى:

1-الهجرة الريفية الموسمية: وهي هجرة دائرية يتحرك فيها المهاجرون بانتظام إلى الأماكن التي تظهر فيها فرص عمل زراعية في مواقع مختلفة وفي أوقات متباينة، وترتبط بدورات الإنتاج الزراعي وقصيرة الأجل خلال مواسم محددة, وتنتقل فيها مجموعات من العمالة الزراعية من مناطق سكنهم الأصلية إلى مناطق الإنتاج الزراعي التي تحتاج كثافة في العمالة خلال مواسم زمنية محددة مثل جني محصول القطن ومحصول البندورة وقطاف الزيتون والعنب وتعشيب المحاصيل الزراعية ويعودون إلى مناطق سكنهم الاصلية في نهاية تلك المواسم وهي هجرة منتجة تصب في مصلحة العمل الزراعي ولا تشكل تهديداً لاستمرار العملية الإنتاجية ..

2-الهجرة الطوعية من الريف إلى المدينة :

تحدث الهجرة الطوعية في غياب قوى قسرية، وذلك عندما يبحث الأشخاص عن فرص اقتصادية ومستويات معيشة أفضل في المدن، وهي هجرات ناتجة عن اختلال التنمية بين الريف والمدينة، وقد تختلف مدتها من هجرة مؤقتة إلى هجرة دائمة، وقد تنطوي على هجرة إلى خارج البلاد بشكل لاحق, وهي هجرة تسبب خسارة بالكفاءات الزراعية المدربة وتثير قلقاً بشأن مستقبل الزراعة إن لم يتم رفع مستوى مكننة الزراعة بشكل سريع وإحلال رأس المال محل اليد العاملة المهاجرة .

3-الهجرة القسرية:

تؤدي عمليات التشريد الجماعي للأشخاص وخسارة الاصول نتيجة ذلك إلى التأثير بشدة في التنمية الاقتصادية بما في ذلك التنمية الريفية وإلى زعزعة السبل المعيشية الريفية، ليس في الموقع الذي يهاجر منه الناس ولكن أيضاً في المواقع المضيفة، وفي بلدنا أغلبية السكان من المناطق الريفية ويعتمدون إلى حد كبير على الزراعة والثروة الحيوانية في معيشتهم, وقد اعاقت الازمة التي تعرضت لها البلاد النظم الغذائية وسبل المعيشة الريفية في المجتمع .

وأدت التدفقات الكبيرة للمهاجرين إلى تحديات خطيرة بالنسبة للمواقع المضيفة من حيث الضغوط على أسواق الأغذية والحد من الخدمات الأساسية رغم الجهود العملاقة التي بذلتها الحكومة في سبيل تخفيف الآثار الناجمة عن تلك الهجرة, وهذه الهجرة قد تكون مؤقتة تزول بزوال أسبابها وقد تتحول إلى أنواع أخرى من الهجرات الدائمة داخلياً أو خارجياً، وتشير الدراسات إلى أن أكثر من 80% من أزمات المهاجرين قسرياً من الريف تدوم لأكثر من 10 سنوات, في حين تدوم اثنتان من أصل خمس مدة تزيد على 20 سنة، ووفقا للبيانات المتاحة فقد عادت نسبة المشتغلين بالزراعة إلى الارتفاع بنسبة 2,7% خلال الفترة بين عامي 2014 و2015 وهي الفترة التي شهدت تحرير مساحات واسعة من الأرياف السورية من ربقة العصابات المسلحة وعودة أهلها اليها.

4-الهجرة الداخلية: قد تتجه الهجرات الطوعية والقسرية إلى الأرياف والمحافظات والمدن القريبة لتشكل هجرة ضمن حدود القطر وقد تختلف المدة الزمنية لتلك الهجرة وفقاً لعوامل متعددة من هجرة مؤقتة تنتهي بزوال مبرراتها وربما تحولت إلى هجرة دائمة, وغالباً ينتقل المهاجرون من العمل الزراعي إلى العمل في الخدمات غير الرسمية والأقل إنتاجية, وقد ينتقلون إلى قطاعات أكثر عائداً مالياً على الأسر المهاجرة وأكثر نفعا للاقتصاد الوطني .

5-الهجرة الخارجية: وهي الأشد خطورة حيث تشكل خسارة في رأس المال البشري الوطني وندرة في اليد العاملة الزراعية, إذ تتجه اليد العاملة الزراعية من الريف إلى خارج حدود القطر. وذلك برغم وجود وجهات نظر ثانية تشير إلى إيجابيات مثل تلك الهجرات التي تتمثل في تشجيع مكننة الزراعة وإدخال تحسينات تكنولوجية في مناطق المنشأ وإعادة هيكلة الاقتصاد بما يدفع اصحاب الأراضي إلى زيادة معداتهم وآلاتهم الرأسمالية وبما يخدم ارتفاع قيمة الإنتاج الزراعي وتخفيف الضغط على الأراضي وزيادة تجميع الحيازات لتزداد الإنتاجية مع زيادة الكثافة الرأسمالية للزراعة، كما تسمح بنمو الأجور الزراعية… وتشير بعض الدراسات إلى أن الهجرة من المناطق الريفية إلى خارج البلاد يمكن أن تساهم في نمو الإنتاجية على المستوى الوطني وأن تؤدي إلى أرباح اقتصادية محتملة, نظراً إلى تخصيص العمالة الزراعية في أنشطة مختلفة مدرة لأرباح كبيرة في القطاع غير الزراعي بحيث تسمح التحويلات المالية للأسر الريفية بأن تشارك في أعمال تجارية غير زراعية وعالية العائد في المناطق الريفية نفسها, كما يشجع المهاجرون على تنمية صادرات بلدانهم الأصلية إلى بلدان المقصد, حيث تؤكد الدراسات أن متوسط انفاق المهاجرين في أمريكا على منتجات بلدانهم الأصلية التي يحنون إليها تصل إلى 750 دولاراً للفرد في العام وإلى أكثر من 20 مليار دولار سنوياً.

الزراعة هي الحل

تعد الزراعة دعامة أساسية في عملية بناء القدرة على الصمود، ويجب أن تكون أولوية عند معالجة الاحتياجات الفورية وطويلة الأجل للأشخاص المهجرين قسراً، حيث تظل العمود الفقري لسبل العيش الريفية, حيث إن إنتاج الغذاء وإعادة بناء القطاع الزراعي يعدان شرطاً لتحقيق الاستقرار والانتعاش. ويتمثل التحدي الذي يواجه صانعي السياسات في تعظيم فوائد الهجرة الريفية مع تقليل آثارها السلبية إلى أدنى حد ممكن من خلال خلق فرص معيشية جذابة في الريف ومستدامة قدر الإمكان وعلاج أوجه القصور في البنى التحتية والمؤسسات والسياسات في المناطق الريفية للحد من العوامل الدافعة التي تدفع إلى الهجرة الريفية، وتنمية رأس المال البشري في المناطق الريفية من خلال التدريب وصقل المهارات ما يسمح للمهاجرين المحتملين بالاستفادة من الفرص المتاحة وكذلك الوقاية من الأزمات التي تؤدي إلى الهجرة القسرية. وعلى السياسات أن تجعل الهجرة خياراً وليس حاجة من خلال خلق فرص عمل خارج المزارع استناداً إلى الروابط الأمامية والخلفية القائمة بين الزراعة والنظام الغذائي الأوسع، وتشجيع التنمية في المناطق الريفية أو في جوارها، بما يضمن النمو الاقتصادي الشامل من خلال منظور متكامل وتحسين التخطيط الاقليمي للمناطق الحضرية والمدن والبلدات الصغيرة وتحسينات البنى التحتية الرابطة التي يمكن أن تؤدي إلى إبطاء معدلات الهجرة إلى المدن الكبيرة.

المصدر – سانا

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث