تعد زراعة القطن من الزراعات المغرقة في القدم والتي عايشت السوريين منذ آلاف السنين و يعود تاريخها إلى زمن صناعة الغزل والنسيج في الألف الرابع قبل الميلاد، ويعد القطن السوري من أجود أنواع القطن في العالم، لاسيما القطن المتوسط وقصير التيلة.

إلا أن هذه الزراعة تراجعت خلال سنوات الحرب المفروضة على البلاد بسبب هجرة الفلاحين وترك أراضيهم خوفاً من الإرهاب وصعوبة نقل وإيصال مستلزمات الإنتاج للفلاحين وارتفاع أسعارها، إضافة إلى عدم توفر المحروقات بالشكل الكافي واللازم لتحضير الأرض للزراعة والري، مع صعوبة تسويق الإنتاج وإيصاله للمحالج ومراكز الاستلام التابعة للمؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان ،إضافة إلى تضرر شبكات الري الحكومية بفعل الإرهاب الأسود وداعميه.

رؤيــــة

تشكلت الرؤية الإستراتيجية للحكومة في مقاربة زراعة القطن والتي تبين فيها أهميته كمحصول استراتيجية تعمل فيه شريحة كبيرة من المنتجين والعاملين في مجال تأمين مستلزماته وتسويقه، إضافة إلى كونه مادة أولية للعديد من الصناعات الغذائية والتحويلية، ويعتبر أيضاً محصولاً اقتصادياً مهماً لأنه يمثل سلعة تصديرية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني بعد النفط ، ويقدر عدد العاملين في هذا القطاع وفي جميع مراحله من البذار إلى المائدة واللباس بمئات آلاف العمال وبالتالي دعمه يعني تشغيلاً واسعاً لليد العاملة.

دعم مباشر

المصادر الحكومية تؤكد أن الخطوة الأولى لإعادة الألق لهذه الزراعة تبدأ من تشجيع الفلاح للعودة إلى أرضه وزراعتها وزيادة المساحة المستثمرة ومن هنا قررت الحكومة رفع سعر شراء محصول القطن ليصبح مجزياً للفلاح وصولاً إلى 350 ليرة للكيلو غرام الواحد بهامش ربح 28 بالمئة مع تأمين التمويل والبذار والأسمدة لدعم زراعة هذا المحصول وتأمين البذار عن طريق المؤسسة العامة لإكثار البذار بسعر التكلفة، كما تم تحديد أجور نقل الأقطان المحبوبة من المحافظات الشرقية إلى المؤسسة بـ 100 ليرة للطن لكل كيلومتر واحد وتحميل هذه الأجور على المنتج النهائي حتى تتمكن المؤسسة من تسويق إنتاجها إضافة إلى تقديم المحروقات بأسعار مدعومة ضمن مخصصات القطاع الزراعي وتأمين مياه الري.

كما أوضحت الرؤى أن صناعة الغزل تتركز في القطاع العام حيث تم إنشاء عدة مشاريع ضخمة للغزل تنتج جميع أنواع الخيوط القطنية والممزوجة (المسرحة والممشطة، الحلقية والتوربينية) وكذلك أنشأ القطاع الخاص عدة منشآت لصناعة الغزل القطني والصنعي بدعم كبير من الدولة.

دعم زراعي ـ صناعي

وزارة الصناعة أكدت على أهمية رفع سعر القطن لتشجيع المزارعين على زيادة محصولهم ما يشكل رافداً مهماً للمؤسسة بالكميات اللازمة لعملها واستثمار طاقات محالجها وتأمين احتياجات شركات الغزل والخيوط من كميات القطن المحلوج لتنفيذ خططها الإنتاجية ورفد شركات النسيج بالخيوط اللازمة لسد احتياجات السوق المحلية وتصدير الفائض مع الحرص على تحقيق أعلى قيمة مضافة في كل مراحل إنتاج القطن الذي يعمل فيه أكثر من 20 بالمئة من اليد العاملة كما يوفر المادة الخام لمعامل الحلج والغزل والنسيج والزيوت النباتية والأعلاف.

وانطلاقاً من أهمية القطاع النسيجي الذي يعد القطن مادته الأولية تم تشكيل مجموعة ممثلة من الجهات المعنية من القطاع الخاص والعام لكل من وزارات الصناعة والاقتصاد والزراعة واتحاد غرف الصناعة واتحاد نقابات العمال بهدف دراسة تطوير وتحفيز قطاع الصناعات النسيجية بمختلف مكوناته بداية من زراعة الأقطان وحلجها وصناعة الغزول والصناعة النسيجية بمختلف مراحلها وصولاً إلى صناعة الألبسة الجاهزة.

وعليه تم تحديد نسبة زراعة محصول القطن موزعاً وفق القدرة الإروائية للمصادر المائية المتاحة، وعلى مستوى مناطق الاستقرار الزراعي بحيث تؤمن حاجة مصانع الغزول القطنية والزيوت لدى القطاعين العام والخاص والمقدرة بـ(250-300 )ألف طن قطن محبوب.

زاهر العتال مدير عام مؤسسة حلج وتسويق الأقطان أكد سعي المؤسسة إلى تطوير قدراتها وتحديث وتأهيل محالجها لتقوم بدورها في شراء واستلام القطن المحبوب وحلجه وتسويق الأقطان المحلوجة لتغطية كامل حاجات القطاعين العام والخاص والبذور الزراعية لمؤسسة إكثار البذار والبذور الصناعية إلى شركات الزيوت إضافة إلى إدارة المحالج وتأمين حسن استثمار إمكانيتها وقدراتها وتجهيزاتها بما يتناسب مع تطور زراعة القطن وزيادة إنتاجه حيث تشير التوقعات إلى زيادة كميات القطن المحلوج في الموسم القادم.

وضاح القاضي مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة أشار إلى أهمية عقد مؤتمر القطن مؤخراً بحلب بعد انقطاع دام ثماني سنوات والخروج بمقترحات وتوصيات تسهم بدفع زراعة هذا المحصول الاستراتيجي للأمام أهمها دعم تأمين البذار الزراعية المحلية وبأصناف جيدة للفلاحين وضرورة التحول للري الحديث لتوفير مليار متر مكعب من الماء سنوياً والتأكيد على وضع استراتيجية وطنية لتطوير زراعة القطن من عام 2019 وحتى عام 2025 بحيث يعود القطن إلى ألقه ومكانته الطبيعية محلياً وإقليمياً ودولياً، وتشكيل لجنة طوارئ للتدخل السريع ووضع نظام مبكر للإنذار بالإصابات والآفات الحشرية وتذليل أي مشكلة تواجه زراعة المحصول والتأكيد على الانتقال التدريجي للمكننة الزراعية والعمل على ترميم وتأهيل كل مختبرات ومراكز ومعامل إنتاج الأعداء الحيوية التي تم تخريبها من قبل الإرهاب والعمل على تطبيق الإرشاد الزراعي إلكترونياً والتواصل مع الفلاحين من خلال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لإيصال المعلومة الصحيحة لهم.

أرقام وحقائق

يبلغ إنتاج سورية من القطن وسطياً 750 ألف طن ينتج عنها 250 ألف طن قطن محلوج قبل الحرب الظالمة التي شنت على جميع مقدرات الشعب السوري وكانت تصدر من هذه الثروة خمسين ألف طن تعود بالنفع على كل مفردات الاقتصاد وحسب الأرقام الرسمية لوزارة الزراعة فإن محصول القطن وفر فرص عمل لنسبة كبيرة من اليد العاملة قدرت بنحو 18% بدءاً من الزراعة وحتى التصنيع، وتساهم الصناعات النسيجية بنسبة 30 بالمئة من إجمالي الصناعات حيث يعمل فيها أكثر من مليون عامل كما احتلت سورية المرتبة الثانية عالمياً بعد الهند في إنتاج ألياف القطن العضوي لموسم 2009 - 2010( بإنتاج نحو 8,3 في المئة من الإنتاج) والمرتبة الثانية عالمياً بعد استراليا من حيث مردود وحدة المساحة، بمعدل أربعة أطنان للهكتار منذ العام 2001, هذا ويستخدم القطن السوري في تصنيع ألبسة قطنية عضوية جاهزة تصدر إلى 18 دولة معظمها في أوروبا والصين والمكسيك وتشكل صناعة القطن السوري منافساً قوياً في كل هذه الأسواق هذا وقد دخلت سورية مصاف الدول المتقدمة في جودة أقطانها وإنتاج القطن الملون خصوصاً البني والأخضر وتفوقت في مجال المكافحة الحيوية الآمنة بيئياً والإنتاج النظيف.

كنا وسنعود

جهود متكاملة تبذل لإعادة محصول القطن لموقعه الطبيعي على مستوى الزراعة والإنتاج والتصنيع بحلقاته كافة لتعود سورية إلى الصدارة في إنتاج هذا المحصول الاستراتيجي المهم في المرحلة المقبلة وفق رؤية تعمل عليها الحكومة من خلال تطوير وتحفيز الصناعات النسيجية بتكاليف تتوافق مع الأسعار العالمية وبحيث تؤمن الريعية الاقتصادية، وتستعيد مكانتها المميزة وتساهم في التنمية ودعم الاقتصاد الوطني.

المصدر – الثورة

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث