الأزمة الحالية والحرب التي تعيشها سورية وإجراءات القوى الخارجية جاءت لتزيد من تعقيد ظروف نمو وتطور الصناعة السورية، حيث عملت هذه القوى وبالتنسيق مع المجموعات الإرهابية في سورية على تدمير القاعدة التحتية للاقتصاد السوري متمثلة بالقطاع الصناعي الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد واستهدافه بشكل مباشر, ما أدى إلى خروج أعداد متزايدة من المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة من السوق أو توقفها كلياً أو جزئياً, إضافة إلى فقدان آلاف من العاملين لعملهم.

لذلك لابد من أن تضع الحكومة متمثلة بوزارة الصناعة رؤيتها لإعادة بناء ما دُمر وفق استراتيجية تتمشى مع الإمكانات المتاحة وتحديد أولويات كل مرحلة, وبما يتناسب مع توجهات الحكومة والجهات المرتبطة بالعمل الصناعي على المستويين العام والخاص.

الوضع كما هو

قبل الحديث عن الاستراتيجية وتحديد أولويات الإعمار, لابد من نظرة سريعة على الوضع الراهن للصناعة المحلية وتحديدها بعدة نقاط أساسية حددها مدير مكتب وزير الصناعة- علي يوسف:

خروج منشآت صناعية عن الإنتاج بسبب أعمال التخريب, وتوقف العمل بالمشاريع المباشر بها بسبب مغادرة الخبراء مواقع العمل, وعدم متابعة المستثمرين (المحليين وغير المحليين) تنفيذ المشاريع المرخصة والمباشر بها.

إضافة لفقدان بعض المواد الأولية ونصف المصنعة التي كانت تنتج محلياً بسبب وجود المصانع المنتجة لهذه المواد في مناطق ساخنة, ونقص في حوامل الطاقة (الغاز – الفيول – الكهرباء – المازوت) وارتفاع قيمتها وانقطاعها في أوقات غير منتظمة وبشكل متكرر إلى جانب زيادة التكاليف المادية المترتبة على الصناعيين نتيجة اضطرارهم لنقل مكان عملهم إلى مناطق جديدة آمنة.

أيضاً هناك صعوبات في التسليف والاقتراض والتسديد والتحصيل وتوقف بعض المنشآت التي كانت تعتمد بتسويق منتجاتها على العقود الداخلية بسبب الحالة الأمنية للطرقات.

كما أن للعقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية أثرها السلبي وخاصة لجهة صعوبات فتح الاعتماد وضعف العملية التصديرية وانخفاض سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية والأهم فقدان ما يزيد على مليوني عامل لفرص العمل في القطاع الخاص, الأمر الذي أدى إلى زيادة معدل البطالة.

نتائج سلبية

نجم عن الصعوبات المبينة أعلاه ارتفاع الأسعار ونقص المنتجات، وتراجع الصادرات، ما أدى إلى استيراد المنتجات البديلة، وهجرة الرساميل وبعض الصناعيين والمعامل كلياً أو جزئياً إلى العديد من البلدان المجاورة, وهذا بدوره يقودنا إلى الحديث عن القطاع الخاص الصناعي الذي لا يقل أهمية عن العام الصناعي, وفق ما أشار إليه يوسف خلال حديثه مؤكداً أن حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الخاص الصناعي نتيجة الإرهاب وتخريب العصابات المسلحة التي تتمثل بأضرار خارج المدن الصناعية تقدر قيمتها بأكثر من 260 مليار ليرة وخروج أكثر من 1205 منشآت من العملية الإنتاجية.

أما داخل المدن الصناعية فإن قيمة الأضرار المباشرة وغيرها تقدر قيمتها بأكثر من 185 مليار ليرة. وبذلك يكون حجم الأـضرار الإجمالي يتجاوز سقف 445 مليار ليرة .

القطاع العام

أيضا للقطاع العام النصيب الأكبر حيث خرج من الخدمة الفعلية أكثر من /48/ شركة عن العمل, تراجعت من خلالها العملية الإنتاجية في معظم الشركات كما لم يتم توظيف الاستثمارات المرصدة في الخطط الاستثمارية بسبب الظروف الأمنية الراهنة.

تقدر قيمة الأضرار المادية المباشرة وغير المباشرة لتاريخه التي لحقت بالقطاع الصناعي العام حوالي /280/ مليار ل.س.

إضافة إلى معاناة القطاع العام الصناعي قبل الأزمة خاصة فيما يتعلق بإعادة هيكلته، حيث بلغ عدد الشركات المتوقفة عن العمل قبل الأزمة /13/ شركة ومحلجين، إضافة لوجود عدد من الشركات الصناعية المنتجة لكنها خاسرة، ولم تتم معالجة أوضاعهم في تلك الفترة نتيجة غياب الرؤية الممنهجة والواضحة لعملية الإصلاح.

من قلب الواقع

يقوم القطاع العام الصناعي بدور مهم وكبير في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية , من هنا كان لزاماً على الجميع إيلاؤه الاهتمام الذي يستحق وبذل كل الجهود والطاقات لتطويره وتحديثه ليبقى مستمراً في العمل والإنتاج ضمن مفهوم الريعية الاقتصادية والاجتماعية.

وحالياً الأزمة أفرزت مشكلات استدعت إعادة النظر في نشاط بعض الشركات المتضررة والتفكير بتغيير نشاطها بما يحقق الجدوى الاقتصادية مع الحفاظ الكامل على حقوق العمالة ودعم نشاطات أخرى والتوسع فيها وتبني فكرة تجميع بعض الأنشطة في منطقة جغرافية واحدة (العناقيد الصناعية) والإبقاء على النشاطات المتوازنة التي تؤمن تشغيل العمالة وتوفير السلع من دون أن تحقق أرباحاً.

هذه الأمور برمتها تتطلب إعادة النظر في أولويات معالجة هذه الأضرار في مرحلة ما بعد الأزمة والتركيز على الأنشطة الصناعية الاستراتيجية.

لكن هذا الأمر فرض على الصناعة اعتماد استراتيجية جديدة تعتمد على استثمار الإمكانات المتوافرة في الشركات التابعة سواء من الناحية الفنية والإنتاجية, أو الخبرات والكوادر البشرية لتعزيز مواقع العمل الصناعي وزيادة إنتاجيتها لتأمين السوق المحلية وحاجة الجهات العامة من المنتجات والسلع الضرورية, وتالياً الاعتماد على خطوات ثابتة باتجاه إعادة تأهيل الخطوط الإنتاجية المتوقفة في بعض الشركات نذكر على سبيل المثال:

فعلياً

والبداية وفق ما أكده يوسف من إعادة إقلاع الشركات المتوقفة أو بعض الخطوط المتوقفة فيها منها: الشركة العامة للمنتجات المطاطية والبلاستيكية وإصلاح آلة الأحذية الرياضية, والبدء بإنتاج البوط الفدائي وذلك بقصد تلبية حاجة السوق المحلية بسعر منافس وجودة ممتازة, وإعادة إقلاع إنتاج خط الأنابيب الملساء في شركة بلاستيك حلب, وصيانة وتشغيل الخط الثاني في معمل أحذية السويداء, وإقلاع صالة الألبسة الجاهزة في مقر الشركة السورية للغزل في حلب, وإعادة تشغيل بعض الآلات الإنتاجية في الشركة الخماسية, وإصلاح 28 آلة في شركة النايلون بعد توقف لسنوات, أيضاً تمت إعادة تشغيل شركة حلب لصناعة الكابلات وشركة الجرارات من أجل تعويض النقص الحاصل في الجرارات لدى البلديات والجهات الزراعية, إضافة لإقلاع معمل السكر لتوفير المادة في السوق المحلية.

والحال ذاته في شركة حديد حماة التي زادت طاقتها الإنتاجية بحدود 5051 طناً من البيليت في شهر واحد , ناهيك بإقلاع خط إنتاج جديد في شركة ألبان دمشق لتأمين اللبن واللبنة بطاقة إنتاجية من 2- 4 أطنان يومياً, وتركيب آلات نفخ في وحدة مياه الفيجة لرفع الطاقة الإنتاجية من 20% إلى 80%, وهناك خطوط انتاجية تمت إعادتها للعمل في شركات الدباغة والغزل في جبلة وغيرها من الشركات, وذلك من أجل تأمين حاجة السوق المحلية وبعض الجهات العامة.

إضافات جديدة

لكن وزارة الصناعة لم تكتفِ بإعادة المتوقف عن الإنتاج إلى سوق العمل والإنتاج الفعلي لكنها سعت إلى إدخال خطوط إنتاجية جديدة من شأنها دعم المنتج المحلي وفق آلية تحقق الريعية الاقتصادية, هذا ما أكده المدير العام للمؤسسة العامة للصناعات الكيميائية- الدكتور أسامة أبو فخر حيث تم افتتاح خط الشراب الجاف في شركة تاميكو في مقرها الحالي بعد تدمير مقرها الرئيس في ريف دمشق وذلك بقصد إنتاج مختلف الأصناف من المضادات الحيوية وتبلغ طاقته الإنتاجية من 6 إلى 6,5 ملايين عبوة سنوياً, إضافة لافتتاح خط انتاج الكبسول من المضادات الحيوية الجيل الثالث وبطاقة إنتاجية قدرت بحوالي 20 مليون كبسولة , والأهم افتتاح مجمع مخابر المديرية.

أيضاً تم افتتاح خط إنتاج جديد في معمل أحذية مصياف بطاقة إنتاجية يومية 500 زوج من الأحذية وبمعدل ربحي يقدر بنحو 750 ألف ليرة يومياً, إضافة للبدء بإعادة تدوير 800 طن من النفايات المتراكمة في المعمل منذ 42 عاماً واستخدامها مواد أولية في صناعة البلاستيك .

والحال ذاته ينطبق على القطاع النسيجي, حيث أكد الدكتور نضال عبد الفتاح -المدير العام للصناعات النسيجية أهمية الخطوات التي قامت بها المؤسسة بالتعاون مع الوزارة والشركات المعنية بقصد زيادة الطاقات الانتاجية فيها حيث تم افتتاح مركزين لبيع الغزل والنسيج في محافظتي دمشق وحلب وذلك من أجل تلبية حاجات الصناعيين والحرفيين العاملين في مجال النسيج والتحفيز لتخفيف مخازين شركات الغزل التابعة للمؤسسة, والعمل على تصنيع خيوط ممزوجة بنسبة 80% صوف طبيعي و20% من مادة الأكرليك, والأهم في خطوات المؤسسة احداث مراكز انتاجية جديدة تابعة لشركة وسيم للألبسة الجاهزة في محافظات حمص ودمشق وطرطوس وبيت ياشوط وذلك بقصد تحقيق ايرادات للشركة من جهة وتوفير فرص عمالة لذوي الشهداء وجرحى الجيش والقوات المسلحة.

وما ذكرناه يقودنا للحديث عما تم تحقيقه على مستوى المؤسسة العامة للإسمنت ومواد البناء, حيث أشار الدكتور المهندس أيمن نبهان/المدير العام للمؤسسة في حديثه الى انجاز عدد من المشاريع الإنتاجية في مقدمتها وضع آلة العفاس الرملي في شركة إسمنت حماة في الخدمة الفعلية بإيراد مالي يتجاوز سقف المليار ليرة سنوياً, وإحداث مراكز لإنتاج البلوك والهوردي لدى الشركات التابعة لتأمين حاجة القطاع العام والخاص ومن مختلف القياسات بأسعار منافسة ومناسبة, وتقوم الوزارة والمؤسسة بدراسة إقامة عدد من المشاريع التي تثبت جدواها الاقتصادية مثل: الدهان الإسمنتي والقرميد واللاصق الإسمنتي والخرسانة الملونة وغيرها من المنتجات التي تحتاجها السوق المحلية.

وهذا من دون أن ننسى ما تحقق في المؤسسات الأخرى وشركاتها, ولاسيما شركة كونسروة دمشق وإدخال اصناف جديدة من المنتجات كـ «الحلاوة الطحينية والكاتشب والخشاف والفطر», مع استمرار المؤسسة في البحث عن مقومات ولادة مشروع العصائر وغيره من المشروعات المتوقفة.

نتائج إيجابية

وتالياً الإنجازات التي تم تحقيقها والتي ذكرنا البعض منها سابقاً أعطت نتائج إيجابية على أرض الواقع ترجمت بعقود تسويقية قدرت قيمتها الإجمالية منذ بداية العام الحالي وحتى تاريخه بحدود 204 مليارات ليرة , معظمها من الإنتاج الجديد في الشركات, ناهيك بتصريف ما يقارب 21 مليار ليرة من قيمة المخازين المتراكمة في الشركات علماً أن قيمتها الإجمالية موقوفة مع بداية العام الحالي بمبلغ إجمالي قدره 60 مليار ليرة , وهذا الرقم في انخفاض مستمر وقد تظهر دلالاته الإيجابية مع نهاية العام الحالي, مع إصرار الوزارة التخلص منها وفق إجراءات وخطوات مدروسة مع المؤسسات والشركات المعنية.

ضمن الاهتمام

القطاع الخاص لم يغب عن اهتمام الحكومة ووزارة الصناعة, فقد تجلى ذلك من خلال إصدار حزمة من التشريعات والبلاغات والقوانين التي ساهمت بشكل كبير في زيادة عدد المنشآت الصناعية وعودتها للعمل, وتوافر المنتجات الوطنية بجودة عالية وبسعر منافس ونتيجة المتابعة من قبل وزارة الصناعة وتذليل الصعوبات التي تعترض الصناعيين وعودتهم إلى العمل وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية, فقد زاد عدد المنشآت الصناعية التي دخلت العملية الإنتاجية بعد توقفها خلال سنوات الأزمة وتعرضها للإرهاب وتخريب العصابات الإرهابية, حيث تمت إعادة 19 ألف منشأة للعمل, وحوالي 8700 منشأة حرفية, وعدد المنشآت التي يتم تأهيلها 4573 منشأة صناعية وأكثر من 50 ألف منشأة حرفية وبذلك يكون الرقم الإجمالي بحدود 82,2 ألف منشأة من أصل 131,6 ألف منشأة حرفية وصناعية مسجلة قبل بداية الأزمة .

وهنا يمكن القول وفق وزارة الصناعة: إنها اعتمدت في استراتيجيتها لدعم القطاع الخاص جملة من الاجراءات وذلك بهدف تشجيع ودعم الصناعة الوطنية في مقدمتها: مؤازرة كل الصناعيين الوطنيين الذين استمروا في الإنتاج برغم الصعوبات البالغة أثناء الحرب بما فيها دعم المنتجين في الشركات المتضررة حيث تستطيع إعادة الإقلاع من جديد ليس فقط لاستعادة الإنتاج الصناعي فحسب, بل أيضاً لزيادة المستويات والتحريض الاقتصادي والتنمية الصناعية المكانية وزيادة الإيرادات الضريبية لاحقاً.

إضافة إلى العمل على متابعة ترميم المناطق الصناعية المتضررة واعتماد الحوافز الإنتاجية والمالية التي تمكن الصناعي من العودة إلى العمل وترميم منشآتهم والإقلاع بها من جديد, ناهيك بتبسيط الإجراءات للمنشآت الصناعية المتعلقة بتأمين مستلزمات العملية الإنتاجية, والعمل على مكافحة التهريب كأولوية مطلقة لدعم الإنتاج المحلي, ناهيك بإجراءات أخرى قامت بها الصناعة لتشجيع عودة الصناعيين الذين غادروا البلد خلال سنوات الأزمة.

مقترحات

إن وضع استراتيجية ثابتة مدة /20-25/ سنة تتحدد فيها الأهداف الرئيسة والمرحلية ومسار الاستراتيجية والتكتيكات الممكن القيام بها لتحقيق الأهداف واعتماد هذه الإستراتيجية من أعلى سلطة في البلد من شأنه تحقيق توجهات صحيحة والسير بخطا ثابتة لتحقيق الأهداف المرسومة في مقدمة ذلك: -تعميق إجراءات الإصلاح رغبة في مزيد من استقلالية القطاع في التحكم بمؤشرات أدائه. زيادة الإنتاجية والمردود وترشيد الإنفاق ومعالجة الفساد والاستفادة من الكوادر ذات الكفاءة والنزاهة.

-إعادة النظر في آلية انتقاء الإدارات العاملة بناءً على معايير وأسس علمية واضحة الإسراع في إنهاء التشابكات المالية بين المؤسسات الصناعية والجهات الاقتصادية والخدمية العامة والخاصة. -احتساب تكلفة الإنتاج الفعلية ومقارنتها مع التكلفة المعيارية وبيان الانحرافات ودراسة سبل معالجتها وتحليل عناصر تكلفة المنتج وصولاً إلى تكلفة تنافسية. -تقديم الدعم والتسهيلات اللازمة للصناعيين الذين يتوجهون نحو أسواق جديـدة والإسراع في إصدار قانون الاستثمار الجديد لتحفيز الصناعة الوطنية، حيث يكون الأفضل في المنطقة والتركيز على بناء قدرات الخبرات الوطنية في مجال التحديث والتطوير الصناعي في كل الاختصاصات.

إنشاء صندوق وطني للتنمية الاجتماعية مستقل تماماً عن الحكومة وممول من القطاع الخاص عبر محفزات ضريبية متعددة مهمته تنفيذ مشاريع تعنى بالتنمية الاجتماعية ومكافحة الفقر والتعليم ومكافحة الأمية.

المصدر- تشرين

Comments are now closed for this entry

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع