طالما كان وضع استراتيجيات وطنية في مختلف المجالات لتجاوز آثار الحرب وأضرارها الفادحة والسير قدماً نحو إعادة الاعمار أحد محاور العمل الحكومي، كما فرض موضوع تعديل التشريعات نفسه كأحد مكونات خلق بيئة محفزة للقطاع الخاص بهدف إشراكه في هذه العملية.

وبينما تتطلب عملية إعادة البناء (الاقتصادي) بجزيئاتها المختلفة التمويل الكافي لضمان انطلاقة صحيحة، بما فيها تعبئة الاستثمارات وتوجيهها إلى الأماكن التي يمكن أن تكون أكثر فاعلية وتحقق التنمية المستدامة، أخذ تعديل التشريعات المتعلقة بذلك وعلى رأسها قانون الاستثمار والتشاركية و التطوير العقاري وآليات الإقراض وغيرها الأولوية لتحقيق تدفق أكبر لرأس المال.

مراجعة كامل التشريعات هي خطوة جدية لتعزيز البيئة التشريعية اللازمة لإعادة الإعمار وتهيئة كافة البنى الإدارية والتشريعية والتحتية من خلال إيجاد تشريعات متطورة تتمتع بكفاءة ومرونة تسهم في سد الثغرات التي تساعد على الفساد الإداري والمالي وتطوير عمل المؤسسات الاقتصادية ومساعدتها على تجاوز الروتين.

هذه المراجعة فرضت تشكيل لجنة عليا لدراسة التشريعات والقوانين الناظمة لعمل الدولة والتي يبلغ عددها 949 تشريعاً تقرر بشكل مبدأي تعديل 190 منها بالكامل، إضافة إلى دمج العديد من التشريعات وتطوير أخرى بما يعزز البيئة التشريعية اللازمة لإعادة الإعمار ومن منطلق أن (رأس المال جبان) ويحتاج إلى مناخ مواتٍ وبيئة محفزة تم إصدار وتعديل نحو 60 قراراً لتحسين بيئة الأعمال وتشجيع الصناعة، كما وافق مجلس الوزراء على قانون الاستثمار الجديد الذي سبقه قانون التشاركية، كذلك تشجيع الإقراض عبر صدور عدد من التشريعات الخاصة بذلك ومشروع قانون التطوير العقاري، أيضاً العمل على استصدار قانون حديث للمصارف.

كان أول تشريع هدف إلى تمكين القطاع الخاص من المشاركة في تصميم أو إنشاء أو بناء أو تنفيذ أو صيانة أو إعادة تأهيل أو تطوير أو إدارة أو تشغيل المرافق العامة أو البنى التحتية والعائدة ملكيتها للقطاع العام وتشجيعه على الاستثمار في ذلك، كان القانون رقم 5 للعام 2016 الذي يُجيز للجهات العامة إقامة مشاريع تشاركية مع المنظمات غير الحكومية وفقاً لنواظم وضوابط خاصة، ويهدف إلى ضمان أن تكون الخدمات المقدمة عن طريق هذه التشاركية قائمة على أسس اقتصادية سليمة وكفاءة عالية في الأداء وتحقّق قيمة مضافة للموارد المحلية، وضمان الشفافية وعدم التمييز وتكافؤ الفرص والتنافسية مع ضمان حقوق جميع الأطراف.

مدير مكتب التشاركية في هيئة التخطيط والتعاون الدولي الدكتور شادي علي أوضح للثورة أن الهدف من التشاركية مع القطاع الخاص هو تحسين كفاءة الإنفاق العام بحيث نستطيع توفير الخدمات وخاصة أننا حالياً ندخل مرحلة إعادة الإعمار وهذا يتطلب توفير خدمات البنية التحتية اللازمة للصناعة والتجارة، الأمر الذي سينعكس على تكلفة المنتج وعلى التاجر الذي يصدر إلى الخارج.

وبين علي أن التشاركية تشمل جميع المشاريع القائمة والمراد إقامتها، مشدداً على أهمية إقامة استثمارات جديدة وفق قانون التشاركية والاستفادة منها بحيث يتم رفع الطاقة التشغيلية للمرافق المتوقفة الجزئية والكلية، مؤكداً أن التشاركية الناجحة يجب أن تأخذ بالاعتبار اهتمامات الطرفين العام والخاص بحيث يتحقق الربح للطرفين لأن الخسارة مشتركة ومن الضروري تحقيق الربح، علماً أن التشاركية أسلوب يجمع طرفين لهم أهداف مختلفة لا متعارضة.

لتحقيق تكامل البنية التشريعية للاستثمار مع قانون التشاركية ووضع خطوط عريضة وضامنة للمستثمر ضمن بيئة جاذبة كان لابد من العمل على رسم قانون استثمار عصري يناسب مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، فمشروع القانون وفقاً لمصادر وزارة الاقتصاد سيغير الخارطة الاستثمارية السورية كونه تجاوز جميع الثغرات التي كانت تعوق المشروعات الاستثمارية، وسيمكن من إيجاد بيئة تنافسية لجذب رؤوس الأموال والاستفادة من الخبرات والتخصصات المختلفة لتوسيع قاعدة الإنتاج وزيادة فرص العمل ورفع معدلات النمو الاقتصادي وبما ينعكس إيجاباً على الدخل القومي وصولاً لتنمية شاملة ومستدامة.

فالمشروع الجديد وحّد الرؤية المشتركة بين المستثمر والحكومة والمرجعيات المتعلقة بالاستثمار، واختصر زمن الإجراءات، وأعطى المزيد من الضمانات للمشروع الاستثماري، حيث تكون أموال المستثمر والحكومة مصانة، إضافة إلى توجيه الموارد نحو تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، كما يستهدف مشروع القانون إيجاد بيئة استثمارية تنافسية لجذب رؤوس الأموال، وتوسيع قاعدة الإنتاج بهدف زيادة فرص العمل، ورفع معدلات النمو الاقتصادي، بما يساهم في تحقيق تنمية شاملة ومستدامة، علماً أن ملكية المشروع مصونة بموجب القوانين والأنظمة النافدة.

ومن المقرر أن يقوم المجلس الأعلى للاستثمار بإقرار الإستراتيجيات والخطط العامة المتعلقة بالاستثمار، وتعزيز التنافسية وبيئة الأعمال في الاقتصاد السوري، على نحو يتفق مع التوجهات والأهداف التنموية الوطنية.

بعد تهيئة مكونات العملية الاستثمارية يبقى التمويل العنصر الأساس فيها، فحصول المستثمر على التمويل بسرعة وبإجراءات مبسطة تسرع في العملية الإنتاجية بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد بشكل عام.

أصحاب الاختصاص يذهبون إلى أن المصارف السورية بشكلها الحالي لن تتمكن من تقديم حصتها من التمويل اللازم لإعادة الإعمار ودوران عجلة الإنتاج بالشكل التنظيمي الحالي، ولابد من إصدار قانون لإدارة المصارف وكذلك تعديل القانون ٢٦ لما فيه مصلحة للمصارف والمتعاملين معها .

وزارة المالية أوضحت أنه سيتم تعديل التشريعات والأنظمة بما يسهم بتطوير العمل في جميع الجهات التابعة لها بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الراهنة ولاسيما قانون المصارف وقانون الجمارك والضرائب والبيوع العقارية ، وتطوير التشريعات المالية والمصرفية بما يضمن تعزيز الشفافية والمرونة لتشجيع الاستثمار وخاصة مع إصدار قانون حديث لإدارة المصارف العامة وتعديل قانون تسوية القروض المتعثرة، ودعم تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بإجراءات ميسرة بالتأسيس والتمويل .

المصارف تشكل وفقاً للوزارة مصدراً من مصادر التمويل، إضافة إلى المصادر الأخرى مثل الشركات المساهمة، وقانوني التشاركية والاستثمار ولا بد من استثمارها من أجل إنعاش الاقتصاد الوطني، وآلية جديدة للتعامل مع المصارف المزمع إنشاؤها مستقبلاً لمرحلة إعادة الإعمار والتي تتطلب تمويلاً تنموياً للمشاريع القادمة مع الاشارة إلى أن الحكومة رصدت في موازنتها عشرون مليار ليرة سورية دعماً لفائدة القروض التي ستمنح لتمويل المنشآت الانتاجية في مجال الزراعة والصناعة والسياحة.

بعد أن تم الانتهاء من إعداد مشروع قانون التطوير والاستثمار العقاري بالشكل النهائي وأصبح جاهزاً لعرضه على مجلس الشعب ، وزارة الأشغال العامة والإسكان عزت الحاجة لتعديل قانون التطوير والاستثمار العقاري إلى ظهور قصور في بعض مواده من حيث عدم إعطاء الهيئة المرونة اللازمة للقيام بمهامها في مجال التطوير العقاري، إضافة إلى العديد من التداخلات مع عمل الوحدات الإدارية، الأمر الذي أدى إلى التأخر في إعلان مناطق التطوير العقاري المحدثة.

مدير الهيئة أحمد حمصي أوضح أن القانون سيحل المشكلات التي تعاني منها الشركات الراغبة بالدخول في هذا المجال، مبيناً أن الهيئة هدفها تنظيم نشاط التطوير العقاري والمشاركة في تنفيذ سياسات التنمية العمرانية، وتوجهات التخطيط الإقليمي وتشجيع الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية وتوفير وتهيئة الأراضي لإقامة مدن وضواحٍ سكنية متكاملة وتوفير الاحتياجات الإسكانية لذوي الدخل المحدود بشروط ميسرة، ومعالجة مناطق السكن العشوائي وفق مفهوم التنمية الحضرية المستدامة وإعادة بناء أو تأهيل مناطق سكنية قائمة وإقامة مناطق الخدمات الخاصة غير السياحية، كما سيتم منح الهيئة مهام جديدة بموجب القانون الجديد لجهة معالجة مناطق السكن العشوائي كأولوية بدلاً من إحداث هيئة للارتقاء بالسكن العشوائي ومنح المطورين العقاريين المزيد من التسهيلات والمزايا وخاصة الوعد بالبيع والبيع على الخريطة وتخفيض نسبة ضمانة حسن التنفيذ وإعفاءات تخفض من الأعباء المالية على المطورين وإعطاء الهيئة صلاحيات أوسع .

المصدر – الثورة

Comments are now closed for this entry

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع