مهندسو الحرب التي فرضوها على بلدنا , لم يخطر في بالهم أن حالة الصمود الأسطورية التي سجلتها بكل مؤسساتها العسكرية والاقتصادية والخدمية, على الرغم من الاستهداف المباشر لكل المكونات التي تعزز من قوة صمودها, ولاسيما المكون الإنتاجي الصناعي وقبله الزراعي, وهذا الأمر فرض تحدياً كبيراً لجهة توفير مقومات صمود جيشنا واقتصادنا على حدِّ سواءٍ وتعزيز المفاصل الإنتاجية التي شكلت حصنا منيعاً لاستقلالية قرارنا الاقتصادي خلال العقود الماضية، فما كان من الدولة إلا أن واجهت التدمير الإرهابي الممنهج لمنشآتها الإنتاجية بإصرارٍ أكبر على توفير مقومات النصر, في حرب اقتصادية يزداد سعيرها وشدة حصارها أحادي الجانب كلما فرضت قواتنا المسلحة المزيد من الانتصارات العسكرية ولما كان الإنتاج الزراعي والصناعي الأساس الذي يجب أن تنطلق منه أي مساعٍ رامية إلى دعم الاقتصاد المحلي, وتجنيب بلادنا ويلات المساومة على قراراتها الوطنية، شهد العامان الأخيران جهوداً مكثفة لإعادة تأهيل هذين القطاعين الحيويين, وإعادة إرساء مبدأ «الاعتماد على الذات» من خلال تحقيق أقصى استنهاض لمواردنا المحلية, وتوظيفها بالشكل الأمثل في دعم عملية التنمية، فكان إطلاق برنامج «إحلال الصناعات المحلية بدلا من المستوردة» إحدى الخطوات المهمة في هذا المجال لتوفير الحماية اللازمة للصناعات الوطنية وتخفيف فاتورة المستوردات قدر الإمكان.

هذا ما أكده مدير التخطيط في وزارة الزراعة هيثم حيدر موضحاً أن كل ذلك تطلب وضع استراتيجية نوعية لتشجيع الصناعات الزراعية, التي تدخل ضمن البرنامج وتوسيع قاعدتها الإنتاجية, لتوفير احتياجاتنا المحلية وصولاً إلى التصدير واستهداف أسواق جديدة.

بدائل

وأضاف حيدر أن وزارة الزراعة, منذ إطلاق برنامج إحلال بدائل المستوردات, عملت على القيام بكل ما من شأنه دعم نجاح هذا البرنامج الاقتصادي المهم, من خلال تشجيع الصناعات الزراعية التي تسهم في توفير متطلبات القطاع الزراعي محلياً بما يغني عن استيرادها، فكان التوجه واضحاً إلى تطوير حقل إنتاج اللقاحات البيطرية الوقائية اللازمة لتحصين الثروة الحيوانية, وهو ما نتج عنه توفير 70% من هذه اللقاحات محلياً وبلغت كمية اللقاحات الجرثومية والفيروسية المنتجة سنوياً /18/ مليون جرعة وزعت مجاناً على المربين، كما بلغت كمية لقاحات الدواجن المنتجة (9 أنواع) /140/ مليون جرعة يتم بيعها بسعر تشجيعي, وهو ما أسهم بشكل كبير في دعم الجهود الحكومية الرامية إلى ترميم قطاع الثروة الحيوانية, ومساعدة الفلاحين على معاودة الإنتاج, وتجاوز الآثار السلبية التي فرضتها الحرب عليهم.

جديد

ومن المخطط أن تشهد الفترة القادمة مساعي لإنتاج بدائل اللقاحات النوعية المستوردة، وأحد أهم هذه اللقاحات لقاح الحمى القلاعية, حيث يوجد مقترح مشروع لإنشاء معمل لإنتاج لقاح الحمى القلاعية بالتعاون مع وزارة الزراعة الإيرانية بطاقة 10 ملايين جرعة سنوياً, ما سيوفر أكثر من 2,5 مليون دولار سنوياً من احتياج الثروة الحيوانية مع إمكانية تصدير الفائض من المنتج, بعد العمل على تحسين جودته وفق المعايير العالمية, وعدّ حيدر توفير اللقاحات ذات الجودة العالية محليا وتوزيعها بشكل مجاني خطوة هامة في دعم المشروع الوطني لتطوير الثروة الحيوانية الذي أطلقته الحكومة لتخفيض تكاليف تربية القطعان الحيوانية خصوصاً في الأرياف, حيث يبلغ عدد القرى المستهدفة 1260 قرية، ويتضمن المشروع تنمية الثروة الحيوانية من خلال تأسيس 27 وحدة نوعية لشبكات مربي الثروة الحيوانية، وتنمية الموارد العلفية بهدف زيادة إنتاجية وحدة المساحة من المحاصيل العلفية كماً ونوعاً, وإيجاد بدائل علفية من الموارد المحلية منخفضة التكاليف، إضافة إلى دعم وتأهيل المرأة الريفية في مجال تربية الثروة الحيوانية كأحد أهم مكونات إنجاح هذا المشروع.

وتالياً مع الإصرار الحكومي على القيام بكل ما من شأنه إعادة تأهيل القطاع الزراعي واستعادة دوره الحيوي في توفير متطلبات الأمن الغذائي, كانت هناك عدة خطوات لتشجيع الفلاحين على إعادة زراعة أراضيهم بالمحاصيل الاستراتيجية ورفع مستوى معيشتهم, من خلال تخفيض تكاليف الإنتاج المترتبة عليهم ودعم الصناعات الزراعية التي تساعد في توفير مستلزمات الإنتاج اللازمة لهم بالجودة المناسبة، فتم العمل على دعم مشاريع المكافحة الحيوية وفق خطة وطنية متكاملة تهدف إلى ترشيد استخدام المبيدات والكيماويات, واستخدام الأحياء والمستحضرات الحيوية الآمنة والحد من الضرر على منظومة البيئة والوصول إلى إنتاج زراعي خالٍ من الأثر المتبقي للمبيدات وتوفير القطع الأجنبي اللازم لاستيراد المبيدات الكيميائية ذات التكلفة الباهظة.

نوعي

وأشار حيدر إلى أن وزارة الزراعة بينت أن مراكز الأعداء الحيوية شهدت تطوراً نوعياً في نشاطها الإنتاجي, مع إطلاق برنامج إحلال بدائل المستوردات, حيث يعمل مركز المكافحة الحيوية في اللاذقية على إنتاج أعداء حيوية لمكافحة الحشرة القشرية على الحمضيات, وإنتاج مستحضر حيوي لمكافحة أمراض الذبول في البساتين والبيوت المحمية, وإنتاج أعداء حيوية لمكافحة ديدان لوز القطن وديدان ثمار البيوت المحمية، كما يعمل مركز المكافحة الحيوية في حماة على إنتاج فطر التريكوديرما لمكافحة أمراض الذبول في البساتين والبيوت المحمية وإنتاج أعداء حيوية لمكافحة آفات الزيتون (البسيلا) وإنتاج أعداء حيوية لمكافحة ديدان لوز القطن، مع الإشارة إلى أن هناك مشاريع قيد التنفيذ تتمثل بمركز المكافحة الحيوية في طرطوس لإنتاج أعداء حيوية لمكافحة سوسة زهرة النيل, وخط لإنتاج أعداء حيوية لمكافحة سوسة زهرة النيل في حماة ومشروع إنتاج فطر اليوفاريا لمكافحة حشرة سوسة النخيل الحمراء, وحشرات أخرى (السونة على القمح) في اللاذقية ومشروع إنتاج بكتيريا الباسيلاس لمكافحة ديدان ثمار التفاح وديدان لوز القطن، إضافة إلى أنه تجري دراسة إنشاء مركز لإنتاج الأعداء الحيوية لمكافحة ديدان لوز القطن في حلب.

حماية

وبهدف حماية البيئة النباتية والزراعية بشكل عام من المخاطر التي تسببها المبيدات من خلال مكافحة الآفات الزراعية والقضاء عليها بأساليب علمية وفنية وتكاليف رخيصة تم مطلع الشهر الجاري وضع معمل المبيدات الحيوية «تريكو ديرما» التابع لوزارة الزراعة ومخابر الأحياء الدقيقة في كلية الطب البيطري في جامعة حماة في الخدمة, حيث يعد هذا المعمل الأول من نوعه في سورية وفي منطقة الشرق الأوسط وينتج فطر «تريكو ديرما» الذي يستخدم لمكافحة العديد من أمراض النبات ويوفر مئات الملايين من الليرات ويضم المعمل غرف التلقيح والتحضين وتحضير المبيد التي تقوم بإنتاج المبيد الحيوي باستخدام تقنيات التعقيم بالأشعة فوق البنفسجية والفلاتر الميكانيكية والضوئية.

مكثّف

ولا يخفى على أحد -في رأي حيدر- أن مشاركة القطاع الزراعي في دعم برنامج إحلال بدائل المستوردات هي خطوة لم تكن لتتم لولا الدعم المكثف الذي شهده هذا القطاع لتغطية متطلبات العملية الزراعية وتجاوز التدمير الإرهابي الممنهج الذي لحق بها، فتم إطلاق عدة مشاريع وطنية هامة لتوفير البذار التي تعد أحد أهم مستلزمات الإنتاج التي يستلزم وجودها نجاح العملية الإنتاجية، ولعل إطلاق مشروع إنتاج بذار البطاطا محلياً كان من أهم المشاريع الوطنية الهامة البحثية العلمية والإنتاجية الرائدة والحيوية في القطر التي ساهمت في خلق القاعدة المادية والضرورية في إعادة تشكيل البنية التحتية اللازمة لإنتاج البذار وبناء خبرة عالية في مجال إنتاج بذار البطاطا للباحثين والفنيين وفتح آفاق علمية جديدة للبحث العلمي.

فالحكومة أعادت العمل بالمشروع بداية من مراحله الأولى وبتضافر جهود الخبرات الفنية الوطنية بعد أن طالت يد الإرهاب البنى التحتية من مخابر ومراكز البذار والبيوت الزجاجية, والبيوت الشبكية حيث من المتوقع أن يحقق المشروع عام 2023 وفورات تقارب /12/ مليار ليرة سنوياً في حال تأمين جميع المستلزمات الضرورية لزيادة الإنتاج والتوسع المستمر.

تغطية

ويضيف حيدر أن وزارة الزراعة أوضحت أن المشروع يهدف إلى تغطية الطلب المتزايد على بذار البطاطا لتحقيق الاكتفاء الذاتي من البذار للمزارعين وبأرخص الأسعار ورفع إنتاجية القطاع الزراعي وضمان الأمن الغذائي, وتوفير القطع الأجنبي وكسر احتكار الشـركات الأوروبية المنتجة للبذار, ومنع دخول الأمراض والآفات الغريبة المحمولة عن طريق البذار المستورد وتحسين تقانات إنتاج بذار البطاطا الخالي من الأمراض الفيروسية، مؤكداً أن المشروع ساهم بشكل كبير في التوسع المستمر في إنتاج البذار محلياً وتخفيض تكلفته على الإخوة المزارعين عبر تأمينه لهم بأسعار تشجيعية وبالتالي تخفيض سعر مبيع بطاطا الطعام في السوق المحلية وزيادة دخل الأسر الريفية من خلال توفير فرص عمل وتأمين مصدر مالي إضافي خلال مدة قصيرة. وعلى صعيد آخر تم اتخاذ جملة من الإجراءات لتشجيع زراعة المحاصيل العلفية والتخفيف من استيرادها، حيث سيتم خلال الموسم الزراعي 2019-2020 دعم المحاصيل العلفية بمبالغ مالية على وحدة المساحة وذلك وفق المبالغ الآتية: 4 آلاف ليرة لكل دونم من الكرسنة والبيقية والجلبانة وألفا ليرة لكل دونم من الفصة والذرة الصفراء، إضافة إلى تنفيذ مركز لتجفيف الذرة الصفراء في مدينة ديرحافر في محافظة حلب, وهو ما سيشجع الفلاحين على زراعة الذرة الصفراء وتأمين قسم من احتياجات الثروة الحيوانية والتقليل من الاستيراد، وتم خلال الموسم الحالي تهيئة كل الظروف المساعدة على تسويق كامل محصول الشعير هذا العام من خلال تخصيص السيولة المالية الكافية وتجهيز مراكز الاستلام بمستلزمات التسويق من أكياس الخيش ومن الكوادر البشرية حيث بلغت الكميات المسوقة من الشعير في كل المحافظات 143503 أطنان حتى منتصف العام الحالي والعملية مستمرة بوتيرة عالية لاستلام كميات أكبر. برنامج إحلال بدائل المستوردات الذي كان إطلاقه خلال فترة الحرب خطوة قد تعجز دول أخرى لا تعاني ويلات الإرهاب عن المضي بها، هو تحدٍّ نوعي ولا بد من تضافر جهود كل القطاعات الاقتصادية لإنجاحه وتحقيق الأهداف المرجوة منه في تخفيض فاتورة الاستيراد, وتحفيز القطاعات الإنتاجية على تحقيق الاكتفاء الذاتي, والتصدير إلى الأسواق الخارجية، ولعل جميع المؤشرات وحجم الدعم المقدم للقطاع الزراعي تنبئ بأن الصناعات الزراعية ستكون خير داعم للبرنامج حتى إنجاحه بالكامل.

المصدر – تشرين

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث