حقيقة لا يختلف عليها اثنان, ولا حتى النقاش بشأنها, أو البحث في حتمية أهميتها الداعمة للاقتصاد الوطني, وتكمن في أن المناطق الحرة من أهم حاضنات الاستثمار, وللمزايا والحوافز التي تتمتع بها الاستثمارات القائمة فيها, وفيما يخص المناطق الحرة السورية, فإن الموقع الجغرافي المهم لسورية, وتوزع المناطق الحرة في المدن الرئيسة, وقربها من المطارات, والمنافذ البرية, جعل منها مراكز توزيع إقليمية وبوابات عبور للخارج, تهدف الى تشجيع الترانزيت والتبادل التجاري, وإقامة صناعات تصديرية تلبي حاجة السوق المحلية, وتوفير فرص عمل, وتالياً تحقيق مورد داعم ومستمر للخزينة العامة للدولة.
هذا كان بداية الحديث مع المدير العام للمؤسسة العامة للمناطق الحرة إياد كوسا لـ (تشرين) بشأن المؤسسة, وظروف التأقلم مع المستجدات التي طرأت على عمل المؤسسة خلال السنوات الخمس الأخيرة التي تماشت مع حالة الحصار الاقتصادي, والعقوبات الاقتصادية الجائرة التي طالت كل مكونات المجتمع الاقتصادية منها والخدمية وغيرها من الجوانب التي أثرت سلباً فيها.
وهنا أكد كوسا أهمية الإجراءات التي اتخذتها المؤسسة لتصويب العمل, وتحسين مستوى الأداء, وفقاً للإمكانات المتوافرة في المؤسسة والفروع التابعة, إذ تمكنت في الآونة الأخيرة من إعادة الألق للاستثمارات في المناطق الحرة, من خلال الدعم الذي قدمته وزارة الاقتصاد والحكومة من خلال جملة من الاجراءات التي تم اتخاذها لتفعيل آلية العمل وتطويرها, بما يتناسب مع حجم الإمكانات والظروف الاقتصادية التي تمر فيها بلدنا.
إجراءات
وبالحديث عن هذه الإجراءات حددها بعشرة اجراءات ترجمت جميعها على أرض الواقع, وانعكست بصورة ايجابية على عمل المؤسسة ككل, في مقدمتها: أعمال الأتمتة التي قامت بها المؤسسة بقصد تبسيط الإجراءات, وربط فروع المؤسسة فيما بينها, وبين المؤسسة على السواء, من أجل تحسين واقع الخدمات للمستثمرين, والإجراء المهم الذي اتخذته المؤسسة يكمن في مساهمتها في خرق الحصار الاقتصادي المفروض على بلدنا, وتأمين البضائع والسلع الضرورية للمواطن بشكل دائم , لتلبية حاجة السوق المحلية.
لكن الإجراء الذي شكل نقلة نوعية في عمل المؤسسة, هو عودة العمل الاستثماري في المنطقة الحرة بعدرا, بعد خروجها من الخدمة الفعلية منذ العام 2013 وحتى العام 2018, والتي خسرت المؤسسة من جراء ذلك مليارات الليرات خلال السنوات المذكورة, لذلك اتخذت المؤسسة وفق (كوسا) جملة من الإجراءات على صعيد المنطقة المذكورة منها على سبيل المثال: إعادة تأهيل الأبنية والبنى التحتية التي تضررت في المنطقة من قبل العصابات الإرهابية المسلحة, وتأمين الخدمات للمستثمرين, وتسوية أوضاع المستثمرين من الناحية القانونية والاستثمارية والمالية, ومعالجة أوضاع البضائع والآليات المتضررة العائدة للمستثمرين ,الأمر الذي شجع على عودة مئات المستثمرين الى المنطقة الحرة في عدرا, لكن ظروف الحصار, وإغلاق المعابر الحدودية أثراً من جديد بصورة سلبية على الاداء الاستثماري فيها.
مهمة
والخطوة المهمة أيضاً التي ساهمت في تنشيط العمل هي الانتهاء من تنفيذ تفريعة سكة حديد تربط المنطقة الحرة الداخلية في اللاذقية مع المرفأ لتأمين سحب البضائع الخاصة بالمستثمرين من المرفأ مباشرة عن طريق السكك الحديدية, وتخفيف الأعباء المالية عن المستثمرين, ناهيك بصدور قرار استيفاء البدلات التي تتقاضاها المؤسسة من المستثمرين بالدولار, أو بما يعادلها بالليرات, وفق سعر الصرف الذي يحدده المصرف المركزي, بهدف دعم الليرة, وتخفيف الطلب على القطع الأجنبي, وتحصيل ديون المؤسسة من المستثمرين, في ظل صعوبة تأمين القطع من السوق المحلية, وعدم إمكانية التحويل من الخارج , نتيجة العقوبات المفروضة على القطر, إضافة للسماح بجمركة رؤوس القاطر والمعدات الهندسية المستعملة بعمر عشر سنوات, عدا سنة الصنع, لتأمين حاجة السوق المحلية من هذه الآليات في مرحلة إعادة الاعمار.
استثمارات جديدة
وأضاف كوسا أن الأمور لم تقف عند ذلك, بل تمت إقامة استثمارات صناعية جديدة, كالصناعات الدوائية, وحليب الرضع والأطفال التي تلبي حاجة القطر, بغية تخفيض فاتورة المستوردات, وتخفيف استيراد المواد المماثلة, والأهم وقف استنزاف القطع الأجنبي اللازم لذلك، وأيضاً رفع قيمة المواد الأولوية سورية المنشأ المسموح بإدخالها من السوق المحلية, لمصلحة المنشآت الصناعية المقامة في المناطق الحرة من خمسة ملايين ليرة في السنة, إلى خمسين مليون ليرة في السنة, من أجل دعم العملية الإنتاجية والمساعدة على تأمين حاجة المستثمرين الصناعيين في المناطق الحرة من المواد الأولية المحلية, والاستغناء عن استيرادها من خارج القطر.
لكن التوجه المهم في هذا الإطار هو طرح تنفيذ واستثمار مناطق حرة خاصة من قبل القطاع الخاص الذي سيتحمل تكاليف إقامتها وتنفيذها لتوفير هذه التكاليف على الخزينة العامة في ظل الأولويات التي تعمل عليها الحكومة, علماً بأن إقامة مثل هذه المناطق الحرة الخاصة سيكون لها دور مهم مستقبلي في دعم الاقتصاد الوطني.
مؤشرات
وبالعودة إلى المؤشرات الإنتاجية خلال السنوات الأربع الماضية فإنها تبين حجم التطور الذي حصل على صعيد الأداء الاستثماري, والمبادلات التجارية والإيرادات التي تم تحقيقها, والرسوم الجمركية التي دعمت خزينة الدولة, إذ بلغت القيمة الإجمالية خلال السنوات المذكورة حدود 16 مليار ليرة, وحركة البضائع المستوردة بلغت قيمتها حدود 163 مليار ليرة, في حين بلغت قيمة البضائع المصدرة نحو 182 مليار ليرة, مقابل رأس مال مستثمر بلغت قيمته الإجمالية حدود 2,613 مليار دولار, ورسوم جمركية تم تحصيلها نتيجة العمل التجاري قدرت قيمتها بنحو 27,5 مليار ليرة ناهيك بتوفير أكثر من ستة آلاف فرصة عمل في جميع المناطق الحرة المنتشرة في المحافظات.