يبدو أن إعادة توزيع الدعم قد أصبحت خطوة جدية وتأتي ضمن أولويات عمل الحكومة خلال المرحلة الراهنة بعد أن أخذ حقه من الدراسات والتصريحات.. كما إن اتخاذ قرار كهذا بات يحظى بحماسة الطيف الأوسع من صانعي القرار الاقتصادي باعتباره يشكل خطوة مهمة على طريق تعزيز القدرة المعيشية للمواطن خاصة أن سياسة الدعم السابقة لم تعد تجدي في ظل الظروف الراهنة وكذلك السيطرة على تسرب الدعم لغير مستحقيه.

وفي هذا السياق قال الباحث الاقتصادي الدكتور زياد عربش: إن تحرير الأسعار في ظل الظروف الراهنة بات أمراًَ طبيعياً ولاسيما ما يخص أسعار الطاقة, معتبراً أن تحرير أسعار الطاقة أصبح مطلباً لأن ذلك قد يكون مجدياً اجتماعياً واقتصادياً مقابل دعم مادي يقدم للفئات المهمشة خاصة تلك التي ازداد تهميشها نتيجة تأثرها المباشر بالأزمة.

وأضاف عربش: إنه وعلى الرغم من أن هذا الموضوع كان شائكاً قبل الأزمة بفعل المناقشات بين مدافع عن دعم الأسعار ومناصر لتحريرها كلياً، إلا أنه اليوم أصبحت من السهولة بمكان ومن باب العدالة الاجتماعية هذه المرة المطالبة بالتحرير الكامل ولجميع أسعار السلع وليس فقط مواد ومشتقات الطاقة لكونه قد تم في سنوات الأزمة رفع أسعار جميع أسعار مشتقات وحوامل الطاقة ولعدة مرات متتالية باستثناء الكهرباء، مشيراً إلى أنه وبالرغم من ذلك ما زالت أسعارها مدعومة لكنها تصل إلى المناطق الفقيرة عموماً بأسعار أعلى من المناطق الأخرى وتالياً من المفروض إعادة دراسة كامل منظومة الأسعار وحوامل الطاقة وجميع السلع والخدمات، لأنه في السابق وقبل بداية الأزمة تم تحرير مخرجات الإنتاج والاستيراد دون تحرير مدخلاته ونتجت عن ذلك تشوهات سعرية ومحاباة للدعم كما شهدنا ارتفاعات متلاحقة لكامل أسعار حوامل الطاقة وكمواد أولية باستثناء الكهرباء لأن ذلك يتطلب دراسة مقترح تخفيف أعباء رفع الأسعار وإعادة توجيه الدعم للتصدي لمسألة الهدر والفاقد الطاقوي بجميع أنواعه وترشيداً حقيقياً لاستهلاك الطاقة وتحسين الكثافة الطاقوية أي الاستغلال الأمثل للاستثمارات وتخفيض كلف التمويل وتفعيل محركات نمو الناتج المحلي التي لا يستفاد منها داخلياً لا بل ينعكس منها سلباً على الاقتصاد السوري، ولاسيما أن الكثافة الطاقوية في سورية لم تشهد تحسناً ملحوظاً لا بل تدهورت مع الأزمة الحالية. وذكر الباحث الاقتصادي أن الاستهلاك المحلي لحوامل الطاقة قد انخفض بحدود 30% مبيناً أنه في حال عودة النشاط الاقتصادي والخدمي وعودة المهجرين خارجياً والنازحين داخلياً سيحدث ارتفاع جوهري في الطلب خاصة على الكهرباء ومع بقاء أسعارها منخفضة نسبياً، حيث ستشهد إمدادات الطاقة حدوث اختناقات عديدة ولاسيما أن عودة النشاط وبدء عملية الإعمار وإعادة تأهيل القطاعات الأخرى سيجعل الطلب يتضاعف 200-300% وهذا لا يمكن تأمينه دفعة واحدة وتالياً حدوث أزمات متكررة في مادتي الفيول (المنزلي والصناعي) والبنزين وتواتر انقطاع التيار الكهربائي واشتداد الحمولات على شبكة بالأصل وبالكاد تلبي الطلب المنخفض حالياً وتصان إسعافياً وقد يؤدي كل ذلك إلى تهديد جدي في منظومة الكهرباء وإعاقة تحقيق أي معدل إيجابي للنمو.

عقلنة الدعم

ولدى سؤال الدكتور قيس خضر الخبير الاقتصا دي عن رأيه في تحرير أسعار الطاقة قال: لاشك في أن رفع الدعم عن السلع والخدمات المدعومة بات يحدث تدريجياً على الرغم من التأكيد على الخطوط الحمر لبعض هذه السلع كالخبز مثلاً مشيراً إلى أن تناول موضوع عدالة الدعم أو ما يعرف على لسان الحكومة بعقلنة الدعم يجب أن ينظر إليها من بعيد قليلاً بحيث يدرك المحلل والقارئ فقه مسألة الدعم.

وأضاف: إن الدعم هو عملية إعادة توزيع للثروة التي أنتجها الشعب وبشكل أكثر تحديدا للفئات محدودة الدخل بحيث تتمكن الحكومة وفق هذه السياسة من زيادة الطبقة الوسطى، ومن هنا إن طرح تحرير أسعار الطاقة الذي قد نجد له مسوغات تبرره مثل عدم قدرة الحكومة على ضبطه بحيث يصل إلى مستحقيه من الفقراء أولاً والى السوريين ثانياً في ظل حالة الخلل الأمني الذي تشهده البلاد في بعض المناطق ولكن السؤال الأكثر أهمية من تحرير أسعار الطاقة أو بقائها مدعومة هو ماذا ستفعل الحكومة بالعائدات التي ستحصل عليها من رفع الدعم أي هل ستكون قادرة على إقناع المواطن السوري بأنها ستعيد ضخ هذه الأموال في جيوبه بشكل أكثر دقة ومن ثم تظهر ذلك السياسات والقرارات المتعلقة به؟.