ماذا نعرف عن موظفي القطاع العام؟
للأسف، ليس هناك أكثر من الرقم السنوي الصادر عن المكتب المركزي للإحصاء، والمتعلق بعددهم تبعاً لكل وزارة.

أما تفاصيل حياتهم بحلوها ومرها، فهي لا تزال غائبة عن اهتمام المؤسسات المعنية.
بمعنى ليست هناك دراسات بحثية تكشف أسباب وفيات موظفي الدولة، الأمراض الأكثر شيوعاً بينهم، مصادر الدخل التي تسند رواتبهم الضئيلة، أشكال الفساد المنتشرة لدى البعض منهم، طبيعة الضغوط التي يتعرضون لها، الوضع الغذائي لهم ولعائلاتهم، رضاهم الوظيفي..إلخ.
مثل هذه المعلومات وغيرها، يفترض أن تكون متوفرة دائماً لدى الحكومة، ليتسنى لها القيام بمراجعة دورية لكل الأنظمة والقرارات، المؤثرة على حياة موظف القطاع العام وعمله.. وإلا فإن إنتاجيته ستتراجع أكثر، وحرصه على المال العام سيقل أيضاً.
عندما يجري الحديث عن موظفي القطاع العام، فهذا يعني الحديث عن مليون إلى مليون ونصف مليون عائلة تقريباً.
وهو رقم يستحق اهتماماً خاصاً، ولاسيما أن القطاع العام أثبت في هذه الحرب ضرورته كضمانة سياسية واقتصادية واجتماعية للبلاد.
لذلك فإن أي قرار أو إجراء يتعلق بأوضاع العاملين في الدولة يجب أن يستند إلى بيانات ومؤشرات إحصائية، لا أن يتخذ بناءً على دراسات وتوجهات نظرية كما يجري عادة.
لنأخذ مثالاً على ذلك.. ونسأل ما يلي: ما أسباب وفاة موظفي الدولة؟
هل يحدث ذلك بسبب الضغوط اليومية في العمل، أم نتيجة الأمراض التي يبتلى بها العامل أثناء مسيرته المهنية، أم بفعل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها، أم إن هذه الوفاة طبيعية لا علاقة لها بالعمل؟
طبعاً لا توجد إجابات موضوعية على مثل هذه التساؤلات رغم أهميتها، لكن معظمنا لديه قناعات أو لنقل فرضيات يرجح صحتها، وذلك بناء على بعض الحوادث، التي يسمع عنها أو عايشها عن قرب.
فبيئة عمل القطاع العام لدينا، والمتحررة من كل منطق ومرونة، مُمرضة حتى هلاك صاحبها.
وتدني الدخل الفردي للعامل في وقت يشتد فيه الغلاء وترتفع حاجة العائلة يمثل سبباً مباشراً للإصابة بـ«الجلطة».
كما أن خصوصية بعض أنشطة هذا القطاع وأعماله تجلب لعماله المرض المزمن على المدى القريب أو البعيد.
لذلك عندما تتوفر بيانات عن مثل هذه الفرضيات، يكون باستطاعة الحكومة توجيه خدماتها الصحية المقدمة للعاملين وفقاً لاحتياجات كل منهم، ولطبيعة مهامهم وأعمالهم..
قبل سنوات عدة، كانت اليابان مشغولة بدراسة أسباب زيادة حالات وفيات وانتحار العاملين لديها في القطاعين العام والخاص. ومنذ عامين تقريباً أصدرت الحكومة اليابانية تقريراً رسمياً اعترفت بموجبه بأن زيادة عدد ساعات العمل تتسبب بضغوط على العاملين، وتالياً حدوث أمراض مفاجئة تؤدي لاحقاً إلى الوفاة أو الانتحار.

بقلم ـ زياد غصن