ربما هذا يحدث في سورية فقط.. أو لنكن أكثر موضوعية يحدث في دول قليلة، من بينها سورية.


حيث تفرض لقمة العيش على الفرد أن يضع أحياناً قناعاته جانباً.. ويعمل لدى من يخالفه في الرأي والأفكار والقناعات..!.
سواء حافظ على أفكاره وقناعاته.. أم تخلى عنها.
مثلاً في مهنتنا..
هناك زملاء صحفيون كثر اتجهوا، وعلى مدار السنوات السابقة، للعمل والتعاون مع أكثر من وسيلة إعلامية.. وأنا واحد منهم.
إما لسبب اقتصادي، أو لضيق هامش الحرية المتاح هنا أو هناك، أو لوجود خلافات مهنية مع إدارة هذه المؤسسة أو تلك..
إلى الآن يبدو الأمر طبيعياً.. وقلة من الزملاء الصحفيين ليس لهم سوى منبر إعلامي واحد..
لكن مع مرور الوقت، بات هذا الأمر يحوي تناقضات «عجيبة»، ويتسع تدريجياً ليتحول إلى ظاهرة أعتبرها شخصياً «مقلقة»، بالنظر إلى آثارها السلبية على المجتمع أولاً.. وعلى مؤسسات الدولة ثانياً.
إذ كيف يمكن فهم أن يكون هناك صحفي يعمل في الإعلام الرسمي مدافعاً عن القطاع العام ووجوده، ثم يتحول إلى ناشر ومروّج للأفكار الليبرالية بمجرد عمله لدى وسيلة إعلام خاصة، وربما يدعو إلى الحد من دور القطاع العام أيضاً..!.
أكثر من ذلك..
كيف يمكن تبرير ازدواجية عمل صحفي.. بين صحيفة حزبية تعلن انحيازها لقضايا الطبقات الاجتماعية الكادحة، وبين صحيفة خاصة يملكها رجل أعمال وتروّج لمجتمع الأعمال؟!.
مثل هذه التناقضات لا تحدث في دول أخرى..
ففي لبنان مثلاً.. من يكتب في «الأخبار» لا يكتب في «الجمهورية»، ومن يكتب في «النهار» لا ينشر في «السفير».. وهكذا.
وحتى في الدول، التي تكاد تكون صحافتها متماثلة من حيث السياسة التحريرية والمضمون كدول الخليج مثلاً.. لا يحدث مثل هذا التناقض.
فهل إلى هذا الحد تصل تداعيات تدني دخول العاملين في الدولة.. إلى حد هزيمة الشخص داخلياً، والتخلي عن قيمه وأفكاره ومبادئه؟.
أم إن «الهشاشة» الفكرية في مجتمعنا أصبحت منتشرة إلى هذا الحد..
الظاهرة لا تتعلق فقط بالصحفيين، بل بمعظم المهن.. من الأطباء حتى مفتشي الجهات الرقابية، الذين يعمل بعضهم لدى القطاع الخاص، فيساعدونه على التهرب من الضرائب والاستفادة من الثغرات القانونية..!.
وحتى أصحاب المناصب في الدولة من المستويات الإدارية العليا والوسطى يعيشون هذه الازدواجية عند خروجهم من مناصبهم..
إذ غالباً ما يضطر هؤلاء، وتحديداً الكفاءات النزيهة، للبحث عن وظيفة خاصة تؤمّن لهم دخلاً مقبولاً بعد تقاعدهم أو إعفائهم..
والمثير للاهتمام، أن هناك وزراء، معاوني وزراء، ومديرين عامين انتقلوا للعمل لدى شركات خاصة ورجال أعمال.. وربما ما كان أحدهم يتوقع حدوث ذلك يوماً ما.
مثل هذه التناقضات لا يستهان بها، ويجب ألا تمر مرور الكرام، فهي تتعلق بشريحة اجتماعية يفترض أنها صانعة رأي عام، أو تمثل قدوة إدارية وعلمية في مجتمعنا.. وما يصيبها من انتكاسات وأضرار ينعكس سلباً على كل فئات المجتمع.
لكن يبدو أن تغير هذه الحال قريباً.. هو من المحال!.

زياد غصن