ما سُرب إلى الآن من نتائج تحقيقات عقود وزارة التربية، خاصة لجهة الأسعار الخيالية جداً، وردود الفعل الشعبية المُثارة حولها، يطرحان ثلاثة تساؤلات مهمة، من المهم أن تُناقش بروية وعقلانية..


التساؤل الأول:
هل إلى هذا الحد تراجعت هيبة الدولة؟.. إلى حد يتفق فيه البعض على تحميل خزينة الدولة عقوداً بمبالغ مالية مضاعفة عما هو سائد في السوق المحلية.. بعضها يزيد بعشرين ضعفاً، وبعضها الآخر يزيد على ذلك بكثير!.
ليس هناك من تفسير لما حدث سوى أن هناك من حاول «استغباء» الدولة أو التذاكي عليها لتحقيق مصالح مالية خاصة، مستنداً إلى قناعته بأن الدولة في زمن الحرب ليست في وارد محاسبة أحد.. وأن كل ما يقال ليس سوى «استهلاك» إعلامي..!.
وهذه ليست المرة الأولى، فهناك من حاول فعل الشيء نفسه في العام 2008، من بوابة مشروع تأهيل صالة الركاب في مطار دمشق الدولي، أو ما عرف آنذاك بالمشروع الفضيحة.
التساؤل الثاني:
أين كانت الجهات التي ترصد كل «نَفَس» في مؤسساتنا العامة؟.. هناك علامات استفهام كثيرة تطرح أساساً حول فشل مفتشي التدقيق لدى الجهاز المركزي للرقابة المالية، ومفتشي الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في اكتشاف ما كان يحدث مبكراً، والتحذير منه..!.
فهل المشكلة بمفتشي الجهات الرقابية لناحية مؤهلاتهم وإمكاناتهم ونزاهتهم وحياديتهم؟ أم إن المشكلة بآليات العمل المتبعة لدى الجهتين الرقابيتين؟ أم إن بعض الجهات العامة استطاعت استقطابهم واستثمارهم كما تريد؟.
التساؤل الثالث:
هل يجب أن «تلام» أو «تحاكم» الدولة عند اكتشاف حادثة فساد هنا أو هناك؟.. أليس مطلبنا جميعاً منذ عدة سنوات البدء بمكافحة الفساد، أم إن هناك من بات يفضل التستر على ملفات الفساد طالما أن كشفها لا يحقق مصلحته الشخصية..؟!.
ردود الفعل الشعبية التي تتالت على شبكات التواصل الاجتماعي، كانت في معظمها بمنزلة «إدانة» شاملة للدولة بمؤسساتها وعامليها، وكأن المخالفات والتجاوزات المشار إليها اكتشفت من بعثة «أممية» وليس من أجهزة الدولة نفسها..
ليست هناك مؤسسة عامة واحدة بعيدة عن التأثر بتداعيات الفساد ومظاهره، لكن هذا لا يعني بأي حال أن تتم إدانة المؤسسة كاملة، وتجريدها من تاريخها وما قدمته من خدمات للسوريين، وتجريم عامليها على «الشبهة»..
لذلك كله أقول:
إذا كانت مكافحة الفساد ستكون بأحكام شعبية مسبقة تنال من كرامات العاملين، فلا نريدها..
وإذا كانت مكافحة الفساد ستكون أداة للتحريض من جديد على الدولة، فلتؤجل المهمة لوقت آخر..
وإذا كانت مكافحة الفساد ستكون بلا رؤية وهدف مؤسساتي، فالأفضل أن يبقى الحديث عن الفساد في إطار التنظير..

زياد غصن: