فقرٌ مدقع لا تزال تعيشه محافظة اللاذقية بالمشاريع الاستثمارية، على الرغم من أنها تتربّع في أغلب مناطقها هذه الأيام على رأس قائمة المحافظات التي تمتاز بمناخ استثماري مُشجّع

لمن يريد أن يعمل فعلاً، فخلال فترة الخمس سنوات الممتدّة من بداية العام 2007 وحتى نهاية العام 2012 لم يجرِ تشميل أكثر من ( 57 ) مشروعاً استثمارياً في محافظة اللاذقية، أي بمعدّل أقل من ( 12 ) مشروعاً في السنة الواحدة، من ضمنهما مشروعان زراعيان فقط ، على الرغم من تعطّش هذه المحافظة لمشاريع تحنو على محاصيلها الوفيرة،‏

وفي مقدّمتها الحمضيات التي لا يزال موسمها يُشكل عقدة حقيقية للمنتجين وللمسوّقين أمام قلة وجود صناعات تعتمد الحمضيات كمواد أولية، وكذلك الزيتون، والكثير من الخضار والفواكه، التي تحتاج إلى تصنيع يستوعبها.‏

هذا كله فضلاً عن تميُّز اللاذقية بإمكانية خفض تكاليف النقل التي تواجهها المنتجات المحلية بمختلف أشكالها الزراعية والصناعية إن كانت تستهدف التصدير وذلك لوجود المرفأ المزوّد بإمكانيات كبيرة للاستيعاب والتحميل على السفن التجارية، فضلاً عن توفر اليد العاملة ووجود سوق ضخم في اللاذقية التي يقترب عدد سكانها اليوم من المليون نسمة، ولكن جملة الظروف لم تدفع بالكثير من المستثمرين حتى الآن إلى التقاط الفكرة والإقدام على الاستثمار في هذه المحافظة بالشكل المنسجم مع واقعها، فمن غير المعقول - وحسب معطيات هيئة الاستثمار السورية - أن لا يكون قد جرى تشميل سوى مشروع واحد في اللاذقية خلال الربع الأول من عام 2014 الجاري..!‏

إذاً هناك خلل ما واضح في الإبقاء على هذه الحالة، ولا ندري إن كانت ناجمة عن تقصير حكومي في الترويج للاستثمار في اللاذقية، أم تقصير محلي في هذه المحافظة التوّاقة في مدنها وأريافها للكثير من الاستثمارات، فهل تواجه المحافظة هذا التوق بعدم الاكتراث واللامبالاة ..؟‏

كل المؤشرات السابقة توحي بذلك، ولكن ما حصل منذ أيام بافتتاح فرع لهيئة الاستثمار السورية في اللاذقية، يشي بأن هنالك اهتمام حكومي ومحلي جدّي في الترويج للاستثمار على أكمل وجه، ولا شك أن هذا الفرع سيقود العملية الاستثمارية إلى مراحل متقدمة بحيث تُهيّأ الأجواء أكثر، ويصير للمستثمرين بيتاً معروفاً يمكنهم أن يقصدوه ويباشروا دورة نواياهم عبر النافذة الواحدة التي من شأنها التسهيل عليهم كي يباشروا بإقامة المشاريع فعلاً، وأثناء افتتاح هذا الفرع كان محافظ اللاذقية قد أبدى تفاؤلاً مرتفع المنسوب عندما أشار إلى أن إنشاء هذا الفرع غايته ( إعادة الإعمار في سورية ) مُطمئِناً أنه قد تمَّ تجهيزه بالكوادر الفنية اللازمة لجذب المستثمرين للقيام بالاستثمارات في اللاذقية وتبسيط الاجراءات ومعاملات المستثمرين بالتنسيق مع الجهات والوزارات المعنية، فيما اعتبرت مديرة هيئة الاستثمار أن هذا الفرع سيكون له أهمية وخاصة لما تشهده محافظة اللاذقية من تحد كبير في مجال الاستثمارات واستقطابها لمجموعة كبيرة من المستثمرين.‏

هذا كله يضع الكرة في ملاعب المستثمرين كي يتجهوا إلى اللاذقية، ويستفيدوا من هذه الفرصة، وقد بدأ البعض منهم فعلاً، ولكن نعتقد أن على المحافظة أن تضع باعتبارها التدخّل السريع لمصلحة المستثمرين عند مباشرة مشوار الترخيص، ولاسيما الترخيص الإداري الذي لا شك بأنه سيواجه صعوبات مع الوحدات الإدارية، صعوبات موضوعية، وربما صعوبات برائحة الفساد أحياناً، وفي كلا الحالتين لابد من التدخل السريع وعدم ترك الأمور تسير بغير صالح المستثمرين إن كانت مواقفهم موضوعية، ولا بدّ من الإصرار على مثل هذا التدخل ريثما تُحدث مدينة صناعية تنهي مثل هذه المعاناة، وفي الواقع ليس بالضرورة في محافظة كاللاذقية أن تكون مدينتها الصناعية على أرض واحدة، فيكفي أن يُمنح المستثمرون ميزات الترخيص من البلديات وكأنهم يرخّصون في مدينة صناعية حقيقية، وذلك بتنسيق ذلك بين المحافظة وتلك البلديات، لقد سمعنا ببعض المشاكل من هذا القبيل سابقاً ( مشاكل صعوبات الترخيص ) ولعلها كانت من أهم الأسباب التي جعلت المستثمرين يتراجعون، ولكن لعلنا مع افتتاح فرع هيئة الاستثمار سنجد واقعاً آخر يرسم صورة استثمار مختلفة.