بين دمشق والبوكمال كانت المسافة اقرب من جنوب البلاد الى شرقها، يوم كان النبأ ان نصل الحدود السورية العراقية لنشهد بأم العين سقوط « مشروع الخلافة» بأكمله على مرمى حجر من تواجد صانعه الأميركي يحوم بتحالفه على الضفة المقابلة لنهر الفرات في البوكمال دون ان تستطيع قوات « قسد» إنقاذه ودعمه هذه المرة.
معركة حامية وحاسمة يعكس تفاصيل الطريق اليها مادار ويدور من احداث واشتباكات هناك في البوكمال وكل المساحات الممتدة حولها، فالبادية من المحطة الثالثة (t3) محكمة وجهوزيتها عالية سواء الآليات والإمدادات العسكرية لدرجة اذا وصلت الى منطقة « الحميمية» التي تبعد عن الحدود السورية العراقية باتجاه معبر القائم امتداد ثلاث ساعات تشعر بأجواء الحرب الحقيقية .‏
وليس هناك مايخفف من ثقل المشهد وحزمه سوى ابتسامة الجنود السوريين وحلفائهم في محور المقاومة، فهؤلاء يمضون الى المعركة بابتسامة لافتة يلقونها على المارة وكأنهم عائدون من النصر وليسوا في الطريق إلى منازلة وحوش متطرفة يديرها نصف استخبارات العالم.‏
غبار البادية اطفأه الانتصار الذي يبشر بسقوط داعش في احياء البوكمال وماحولها منطقة تلو الأخرى، وعلى خطوط المعركة والتماس القريب مع بعض الدواعش دخلنا مدينة البوكمال واثقين بخطوات الجيش السوري، وكان لافتاً في أول المشاهد التي رأيناها ان أشجار الزيتون « مروية» وهناك من يرعاها رغم احتدام المعارك في مفارقة دعتنا للتساؤل، من الذي يهتم بالزراعة وغصون الزيتون؟ فأجابنا قائد ميداني بأن الأهالي موجودون ويتعاونون معنا لدرجة انهم آثروا البقاء في المدينة اثناء المعركة ورفع الرايات البيضاء لتمييزهم من مقرات داعش المتغلغلة بينهم .‏
المنطقة الممتدة من تدمر الى نهر الفرات وشرقه وحتى داخل الأراضي العراقية باتجاه الرمادي قبل العمليات العسكرية المتتالية فيها والتي تعد اكبرها واهمها وآخرها هي البوكمال، كلها كانت موبوءة بتنظيم داعش ولكن مع وجود التنسيق العالي والتزامن في المعارك مابين الجيشين السوري والعراقي والذي بلغ ذروة لم يبلغها من قبل لدرجة التقاء الجنود السوريين والحلفاء من المقاومة في العراق والحشد الشعبي العراقي ودخول بعض عناصر هذا الحشد للمشاركة في المعركة التي تعتبر اهم نتائجها هو إعادة الحياة لمعبر القائم.. هذا الشريان الواصل مابين العراق وسورية.‏
كما ان البوكمال المقابلة للمعبر هي الخط التجاري « الترانزيت» مابين البلدين كما انها تشكل عقد الربط الكهربائية مابين سورية والعراق وايران لذلك استماتت واشنطن لتبقى يدها ممثلة « بالبغدادي» موجودة في البوكمال ولذلك أيضا امتدت ساعات وايام المعركة بعد ان اقتربت من الحسم .‏
البوكمال مدينة استراتيجية يوصل معبرها الحدودي البري شرقا مدن العراق في الهيت والحديثة حتى مدينة القائم ويتفرع منه باتجاه، سورية عدة اتجاهات جنوباً باتجاه التنف وشمالا باتجاه الميادين ودير الزور وغربا يتفرع من عقدة مواصلات الى مدينة تدمر الى طريق حمص دمشق حتى الحدود اللبنانية.‏
المعارك والعمليات العسكرية وتمشيط البوكمال والقرى التي تمت السيطرة عليها لايزال قائماً ويقترب الجيش السوري من السيطرة على كل المدينة وسط « استشراس» التنظيم الإرهابي في الدفاع عن اخر وجود له وسينحصر وجود داعش بعد تحرير البوكمال في المنطقة الممتدة من شمال البوكمال الى جنوب الميادين... ويبدو أن كماشة الجيش السوري والحلفاء بدأت تطبق على داعش بدخول القوات السورية الى البوكمال من اتجاه الحدود العراقية السورية، وفي المقابل يتقدم الجيش السوري من ريف دير الزور الجنوبي باتجاه ماتبقى من جيوب صغيرة في المدينة مايعني ان البوكمال ستطوي قريبا صفحة داعش في سورية ... خاصة ان هناك من همس في الاذن الإعلامية ان ابوبكر البغدادي قد يكون لايزال عالقاً في البوكمال وهناك أيضا من المقاتلين من قال لنا وهو يطلق النيران باتجاه الدواعش .. انتظروا مفاجآت قادمة للجيش السوري والمقاومة..‏
فالقرى بدءاً من الهيرة والسويعية قبل الوصول الى مركز مدينة البوكمال هي بيد الجيش السوري والحلفاء وماتبقى من احياء باتت تحت السيطرة النارية للجيش السوري وهي ساقطة عسكرياً بينما بدأ بعض الدواعش ويعبرون نهر الفرات الى الضفة الشرقية حيث هناك من يؤويهم من قوات سورية الديمقراطية ومن تبقى يسقط هو وكل من سمي « جيش الخلافة» هذا «الجيش» الذي تم تسميته قبل دخول القوات السورية الى محيط البوكمال في محاولة للإيحاء بأن داعش لايزال على قيد « القتال» والتنظيم والتماسك.. أيام قليلة تفصلنا عن النصر في البوكمال المعركة الاشرس..‏
(الثورة) جالت في محيط البوكمال وبعض احيائها المحررة ولنا تفاصيل اكثر عن هذه المدينة في اعداد قادمة.‏