لم تخرج سياسة التجارة الخارجية من أولويات الحكومة في التوجه نحو الإنتاج وتمكينه رغم كل الظروف التي أحاطت بها وإن كانت السنوات الثلاث الأخيرة هي الأكثر تركيزا على هذا القطاع الهام
الذي يعكس من ضمن ما يعكسه مدى التعافي الذي يشهده الاقتصاد الوطني ولا سيما الإنتاجي والتسويقي منه.‏
وترجمة لهذا الاهتمام باشرت الحكومة ومنذ تشكيلها دراسة سياسة التجارة الخارجية ولا سيما جانب منح إجازات الاستيراد منها ومنعكساتها في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية ومن كافة جوانبها، كما قامت الحكومة باعتماد آلية جديدة تم إصدارها بتعليمات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية (رقم 211/1 تاريخ 8/9/2016) لتُترجم هذه الآلية بإصدار الدليل التطبيقي الالكتروني لمنح الموافقات لإجازات وموافقات الاستيراد (خلال 2018 المعدِل للدليل السابق الصادر في عام 2017) متضمناً المواد المسموح باستيرادها وفقاً للبند الجمركي الثُماني بشكل واضح وشفاف غير قابل للاجتهاد لجهة ما تضمنته الآلية من السماح باستيراد كافة مستلزمات الإنتاج الزراعي والصناعي وموادها الأولية بالإضافة إلى الأدوية والأعلاف والمواد الأساسية الغذائية وغير الغذائية التي لا يوجد مثيل لها من الإنتاج المحلي أو تلك التي لا يكفي الإنتاج المحلي منها، كما تم استبعاد كافة السلع الكمالية وغير الضرورية أو ذات البدائل المحلية وكافة أنواع الخضار والفواكه.‏
غلبة مستلزمات الإنتاج‏
وبتدقيق متأنٍ للآلية التي وضعتها وزارة الاقتصاد فإن مستلزمات الإنتاج تشكل حوالي 75% من المواد التي تم السماح بها كما لم يتم تحديد سقوف للكميات أو قيم إجازات الاستيراد التي تم السماح بها، ولعل أبرز ما يميز هذه الآلية هو ضمانها الوضوح والشفافية والأهم إنهاء دور العامل الشخصي في منح موافقات الاستيراد، ناهيك عن تحقيقها المساواة بعدل بين المستوردين وإفساحها المجال للمنافسة مانعة بذلك احتكار السلع ومساهمة بإنهاء معاناة الصناعيين في الحصول على مستلزمات الإنتاج لجهة السماح للتجار أيضاً باستيراد هذه المستلزمات وتأمينها للصناعيين غير القادرين على الاستيراد، الأمر الذي يعد انعكاس حقيقي لتحسين كفاءة التجارة الخارجية في إطار إدارة ملفها التجارة الخارجية وتحسين كفاءتها بالتوازي مع الحفاظ على تأمين حاجة ومستلزمات السوق المحلية من السلع الغذائية الأساسية والمواد الأولية للصناعة وحماية المنتج الوطني (صناعي كان أم زراعي) والحفاظ على موارد القطع الأجنبي واستقرار سعر الصرف ولتحقيق أولويات عمل التجارة الخارجية بشفافية ووضوح.‏
تمكين التطور الصناعي‏
ونتيجة لهذه السياسة الاقتصادية المتبعة لدى وزارة الاقتصاد من حيث تأمين المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج الصناعي والزراعي ظهر تطور ملحوظ في بعض الصناعات المحلية مثل الألبسة والأقمشة وبعض الصناعات الكيماوية والمعدنية والغذائية وسواها والتي أدت بدورها إلى تغطية الأسواق المحلية من هذه المواد وتصدير الفائض منها إلى خارج القطر بدلا من استيرادها وكذلك بالنسبة لدعم الزراعة فقد أدت هذه الآلية إلى تحسن ملحوظ في المواد الغذائية الزراعية والتي سيطر الإنتاج المحلي منها على السوق المحلية باستثناء بعض الأنواع التي تدخل تهريبا وقد تم في هذا السياق تصدير كميات كبيرة من الخضار والفواكه إلى خارج القطر وأصبحت تمثل المرتبة الأولى في قائمة الصادرات السورية مع الأخذ بالحسبان التوقعات بإن يؤدي فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن إلى زيادة في عمل المنشآت الصناعية والإنتاج الزراعي.‏
دوران عجلة الاقتصاد‏
بيانات وزارة الاقتصاد تشير بالنسبة لإجمالي عدد وقيم إجازات وموافقات الاستيراد الممنوحة إلى التزايد في قيم الإجازات والموافقات الممنوحة، حيث يشير الارتفاع المتزايد في القيم إلى عودة العجلة الاقتصادية للعمل بشكل أكثر نشاطاً في كل عام عن سابقه وذلك نتيجة الزيادة الكبيرة في الطلب على المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج الصناعي والزراعي، وباعتماد عام 2015 عام أساس معياري حين بلغ العدد الإجمالي 19341 موافقة وإجازة استيراد تكون نسبة التغير في عام 2016 نحو 33% بإجمالي بلغ 22071 موافقة وإجازة ممنوحة ليرتفع مقدار التغير إلى 40% في عام 2017 تأسيسا على منح 21269 موافقة وإجازة.‏
الصناعة أولوية حكومية‏
أما عن توزع قيم المنح بحسب النشاط الاقتصادي فلا بد من البدء بمستلزمات قطاع الصناعة والتي كان تأمينها من أولويات عمل الحكومة، لجهة ارتكاز سياسة الترشيد على إعطاء الأولوية في المنح للمواد الأولية والمواد الداخلة في العمليات الإنتاجية من أجل دعم الصناعيين وعودة دوران العجلة الاقتصادية، وبدراسة قيمة الإجازات والموافقات الممنوحة لهذه المواد في الفترة المدروسة المعتمدة عام 2015 عام أساس يسجل قيمة خلاله بلغت 1,573 مليار يورو أما في عام 2016 فقد بلغت القيمة 2,177 مليار يورو لترتفع في عام 2017 إلى 3,224 مليار يورو أما العام الجاري فقد بلغت القيمة 3,911 مليار يورو، ويلاحظ في هذا السياق زيادة حصة المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج من إجمالي الممنوح في كل عام عن سابقه مما يدل على تحسن وتعافي ملحوظ في قطاع الصناعة من خلال عودة العديد من المعامل والمصانع للعمل مجدداً بطاقات إنتاجية جيدة لأخذ دورها في بناء الاقتصاد الوطني، ناهيك عن حصة ممتازة لقطاع الصناعة من إجمالي المستوردات والتي بلغت 70% في العام الجاري 2018.‏
تطور القطاع الزراعي‏
وبالعودة إلى توزع قيم المنح بحسب النشاط الاقتصادي وفيما يتعلق بمستلزمات القطاع الزراعي فقد شهدت قيمة الإجازات والموافقات الممنوحة للقطاع الزراعي زيادة ملحوظة في كل عام عن سابقه في انعكاس حقيقي لحالة التحسن التي يشهدها هذا القطاع الحيوي لاستعادة عافيته وذلك تلبية لاحتياجاته بعد عودة الأمان إلى الكثير من المناطق نتيجة انتصارات بواسل الجيش العربي السوري وعودة الإنتاج الزراعي إليها، وقد حافظت هذه المستلزمات على حصة جيدة من إجمالي المستوردات خلال السنوات الثلاث الماضية.‏
المواد الغذائية الأساسية حرصت الحكومة ومنذ تشكيلها على تامين احتياجات السوق المحلية منها وتحديدا تلك التي لا يوجد لها إنتاج محلي مماثل، وتشير بيانات وزارة الاقتصاد إلى استحواذ هذه المواد لنسب لا تقل عن 10% من إجمالي كل عام، لضمان توافر المواد وعدم ارتفاع أسعارها، حيث بلغت نسبتها في عام الأساس 18% لتنخفض في 2016 إلى 10% أما في 2017 فقد بلغت 10,7% وصولا إلى 10,2% في عام 2018 دون أن يغيب عن الذهن أن النسبة في العام 2015 كانت مرتفعة عن السنوات التي تلتها وذلك لكون العديد من المنشآت الصناعية كانت متوقفة عن العمل بسبب الظروف في تلك الفترة.‏
المواد المتنوعة كان لها نصيب غير قليل من إجمالي المنح حيث منحت موافقات وإجازات استيراد لتشكيلة سلعية من المواد الضرورية التي لا يتوفر منها إنتاج محلي كافي أو بديل لتعويضها، مثل الأدوية والأجهزة الطبية والتقنية والآليات الثقيلة وغيرها من المواد، أما قيم وحصة هذه المواد من الإجمالي الممنوح فقد وصلت في عام الأساس إلى 12% لترتفع في 2016 إلى 17% وتتجه انخفاضا في 2017 إلى 12% وصولا إلى 9% في 2018.‏
أبرز مديريات المنح‏
وحول أبرز مديريات الاقتصاد في منح الإجازات والموافقات تظهر بيانات وزارة الاقتصاد أن مديريات ريف دمشق ودمشق واللاذقية وطرطوس تشكل الثقل الأكبر في منح إجازات وموافقات الاستيراد، حيث بلغت حصة هذه المديريات ما يتجاوز 60% من إجمالي ما يتم منحه في كافة مديريات الاقتصاد ودوائر المنح التابعة لهيئة الاستثمار، مع بقاء مديرية الاقتصاد في ريف دمشق في المرتبة الأولى على مدار الفترة المدروسة من حيث قيم وعدد الإجازات والموافقات الممنوحة في عموم القطر.‏