دخلنا المكان ذات يوم.. كنا بصحبة أصدقاء حيث باب صغير يؤدي إلى دهليز منكسر ينقلك إلى فسحة سماوية.. تحيط بها غرف.. جلسنا وتبادلنا أطراف الحديث.. تناولنا طعام الغذاء.. وقضينا وقتاً لا أحلى ولا أجمل في بيت بعد تحويله إلى مطعم أطلقوا عليه اسم (مطعم الدار) الموجود بين جنبات حارات وأزقة حمص القديمة وعدنا في الآونة الأخيرة لزيارته علَّنا نقضي أوقاتاً تعيدنا إلى ذاك اللقاء؛ لكن المفاجأة تصدمك، ويتسلل الحزن والأسى إلى نفسك عندما تدخله فالدمعة تسبقك وغصة تعتصر قلبك..، لقد أصبح المطعم الأثري ركاماً من حجارة سوداء، اصطفت فوق بعضها البعض، وكأنها تتعانق متمسكة بجذورها وراحت تبث لنا شكواها مما آلت إليه أحوال تسع غرف مضى على إنشائها حوالي ثلاثة قرون، لقد تأثر بشكل كبير عن الأبنية الأثرية المجاورة كبيت الآغا وقصر الزهراوي ودار مفيد الأمين عدا دور العبادة من مساجد وكنائس.

أخذتنا الخُطا نحو قصر الزهراوي وبدأنا نتقدّم في المكان.. دخلنا الدهليز الرئيسي للقصر فشاهدنا آثار حرائق تم إشعالها في المدخل، وبدأنا ندقق النظر فيما أصابه من سرقة ونهب طالت أبوابه ونوافذه الخشبية، إضافة إلى تعرض قبابه لإصابات ظهر بعضها من داخل أحد القاعات، رغم أنه يعتبر من أهم البيوت الحمصية الأثرية ويحتوي على مدفن بيزنطي تحت الأقبية، والأجزاء الأخرى يعود بناؤها للعهد الأيوبي وأوائل المملوكي والعثماني.. وكان من المقرر تخصيصه كمتحف تقاليد شعبية للمنطقة الوسطى.. كما تبع الأذى دار مفيد الأمين وتعرّضت للسرقة وتعتبر ذات فن معماري متميز يعود للحقبة المملوكية وكان من المقرر تخصيصها كمركز توثيقي للمدينة.

والحمامات تضررت!

تابعنا سيرنا عبر الأزقة والحارات الضيقة، وتسللنا إلى سوق النوري (المسقوف)، ومنولوج داخلي يراود ذاكرتنا بما ترك لنا أجدادنا من أوابد أثرية.. أصبحت إرثاً حضارياً، وشاهداً على تاريخنا في حقبة من الزمن، لتعكس للأجيال المتعاقبة الازدهار العمراني ورقي التصميم.. وقفنا عند ما خلفته سنو الحرب العجاف أيضاً من آثار أعمال إرهابية قامت بها التنظيمات التكفيرية، وجدنا أن الحمامات لحقها الأذى والضرر بحمامين منها فقط..! من الحمامات الأربعة المتبقية من أصل ثلاثة عشر حماماً كانت منتشرة في أنحاء المدينة، ما أدى لانهيار أجزاء مهمة منها نتيجة الحرائق، دخلنا إلى حمام الصغير، برفقة لجنة التراث في نقابة المهندسين بين الركام وراحوا يحدثوننا أنه من المباني الأيوبية التي بناها نور الدين الزنكي ونحن نلج المكان عبر درجات بسبب انخفاضه عن الأرض بمعدل /3-4/ أمتار تؤدي إلى القسم البراني تتوسطه قمرية سقطت وسط المكان وتعرضت للانهيار، وعلى بعد أمتار قليلة من المكان يقبع بناء (حمام الباشا) في شارع أبي الهول، ويعود للفترة العثمانية، ويضم قمريات تسمح بإدخال الضوء من المقرنصات، وتضم أهم نموذج يأخذ شكل نعل الفرس ميزة أكثر الغرف فيه، ولحق بأخيه الصغير حيث تعرضت قمرياته لإصابات بليغة وأصبحت بحاجة لمن يجبر خاطرها، علماً أن الحمامات الأربعة ذات ملكية خاصة للمجتمع المحلي، وعندما دخلنا إليها لم نجد مالكيها ما عدا حمام التاريخي الأثري العثماني.

14 جرناً أثرياً فقدوا..!

وقف أحد ورثة حمام التاريخي الأثري (العثماني)، ويدعى عبد المولى المصري، والحيرة تسبقه فقال بصوت أجش متقطع: لقد عدت إلى الحمام لأجد بأننا فقدنا حوالي 14 جرناً أثرياً عليها نقوش حافظنا عليها طيلة السنين لنفقدها في سنوات العدوان على سورية.. تنفس الصعداء، وراح يتحدث باضطراب لقد تم عرضها على وسائل الإعلام المرئية (السورية)، وهرعت لمراجعة دائرة الآثار كي أعلمها بكافة المعلومات عن الأجران المسروقة، إلا أنني لم أجد جدوى..؟ دخلنا بصحبته للحمام وتجولنا معه في جنباته والمشيد عام ١٣٢٥هـ، ويقع بجوار الأسواق التجارية الأثرية القديمة (الصاغة والمنسوجات والبازرباشي)، ويمتاز بالذوق المعماري والوساعة والدقة في البناء والتناظر والغنى بالرخام والأقواس الحجرية وبعض التزيينات الجدارية، واتساع مساحته من الداخل، واللافت للانتباه الطراز المعماري الفريد ليشكل لوحة جميلة تمتزج فيها الحجارة البيضاء والسوداء المزخرفة وأعيد ترميمه وعاد لاستثماره من قبل مالكيه.

وإذا تابعنا جولتنا إلى حي باب تدمر صليبة العصياتي، حمام يسمى باسم الحارة، حمام العصياتي يعود إلى العصر المملوكي، وجدد بناء مدخله عام 1225 هجرية كما تشير اللوحة الرخامية المثبتة فوق مدخله، ويتألف البراني فيه من قاعة واحدة حملت فيها أربعة أركان مزينة بالمقرنصات المروحية وهي عنصر معماري زخرفي مميز للعمارة القائمة على المضلع والدائرة، وتزدان قاعات الجواني فيه أيضاً بالمقرنصات الركنية وتضاء قاعاته بالقمريات الزجاجية، ويوجد فيه قناطر وأعمدة مزيّنة، والأدراج والنوافير، لكن ما يميّزه عن الحمامات الأخرى أنه ما زال بحالة جيدة.

لجنة التراث..؟

رئيس لجنة التراث في نقابة المهندسين بحمص المهندس عامر السباعي تحدث عن واقع الحمامات الثلاثة الموجودة ضمن أسواق حمص القديمة بأنها مسجلة أثرياً وغير مستملكة ويعود استخدامها لأشخاص وهي، حمام الصغير، والباشا، والتاريخي الأثري، مشيراً إلى أن الحمام الصغير تعرض للانهيار نتيجة الأمطار، بعد نشوب حريق في المواد المخزنة بسبب استثماره كمحل ومخزن لبيع الأقمشة من قبل مالكيه، وتأثرت قبة القسم البراني وتعرضت للانهيار رغم أن جزءاً من القبة لا يزال قائماً ويمكن إعادة بنائها من جديد.

المهندس السباعي لفت إلى وضع القسمين الوسطاني والجواني، وإنه ما زال بحالة مقبولة ويمكن إعادة تأهيله واستخدامه واستثماره بنشاط سياحي تجاري يعود بالفائدة على كتلة الأسواق وعلى حمص القديمة وتنشيط حركة السياحة.

الآثار تنفي أثرية الأجران المفقودة!

من جهته مدير دائرة آثار حمص المهندس حسام حاميش نفى أن تكون الأجران البالغ عددها 14 جرناً أثرية، وأنه في حال العثور عليها سيتم مصادرتها في حال إثبات حالتها الأثرية وأغلبها أجران حجرية تستخدم لتجميع المياه، مبيناً أن الضرر تركز على حمام الصغير والباشا بسبب أنهما مستملكان كمستودعات من قبل مالكيهما وكمحال لخزن الأقمشة، وقامت الدائرة بإعداد إضبارة توثيق لحمامي الصغير والباشا شملت القبة مع الجدار الخارجي وتم توجيه إنذار للمالكين لإجراء عمليات الترميم عن طريق مجلس مدينة حمص، متابعاً حديثه بعد إعداد الإضبارة تم مراسلة المديرية العامة للآثار والمتاحف بالعاصمة لبيان إمكانية ترميم العقارين المذكورين حسب قانون الآثار بأنه يجوز للسلطات الأثرية القيام بترميم العقارات المسجلة أثرياً ذات الملكية الخاصة في حال كانت نادرة وقليلة وفي حال امتناع أصحابها عن ترميمها توضع إشارة على العقار لصالح المديرية ولا يتم رفعها إلا بعد سداد المبالغ التي تم الترميم بموجبها.

كما أكد مدير دائرة الآثار بأنه تم إعداد إضبارة لترميم كلا الحمامين الباشا والصغير، ورفعت إلى محافظة حمص ومنه لمديرية الآثار العامة بالعاصمة.