لم تشفع لصناعة الحرير الدمشقي عراقتها وجمالها، فرغم تميز هذه الصناعة التي تعود لآلاف السنين وبريقها الذي توهج في الحضارة الدمشقية قديماً وحديثاً فلاتزال هذه الصناعة تعاني العديد من المصاعب و العقبات التي أدت إلى انحسارها التدريجي حتى كما يبدو عن اهتمام أصحاب الشأن فيها.

الثورة زارت سوق الحرف اليدوية بدمشق لإلقاء الضوء على واقع هذه الحرفة وأوجاعها حيث بين الحرفي الشاب محمد رنكوسي الذي يعمل في ورشة لصنع البروكار هناك أنه لم يتوارث المهنة أباً عن جد كما هي العادة في الحرف التراثية و إنما اكتسبها نتيجة دراسته في الثانوية الصناعية بدمشق قسم البروكار وتخرجه عام 2006 والتي عمل فيها فيما بعد مدرساً لنفس الاختصاص إلى أن تم تخريج آخر دفعة قبل إغلاق قسم البروكار نهائياً عام 2014 ، مؤكداً أنه الحرفي الوحيد في سورية الذي زاول الحرفة من بين جميع أنداده من خريجي الثانوية على مدى 20 دورة أي منذ أن قامت وزارة التربية بإدراجها ضمن مناهجها في عام 1995 .

وبين أن الصعوبات التي تواجه الحرفيين العاملين في مجال صناعة الحرير الطبيعي تعود إلى سنوات طويلة وليست وليدة الأزمة وحدها وفي مقدمتها نقص المادة الأولية بعد أن تم إغلاق معمل الدريكيش التابع لوزارة الصناعة قبل 30 سنة ( نتيجة سوء الإدارة وقدم الآليات وتراجع نوعية المنتج من الخيوط ) والذي كان يغذي السوق المحلية بالمادة الأولية، ما اضطر الحرفيين إلى الاستعاضة عنها بالحرير الطبيعي المستورد من الصين وبالتالي تحميل رسوم الاستيراد على سعر المنتج لترتفع أسعاره على الزبون، ما أوجد صعوبة في تصريفه إضافة إلى تناقص الأيدي الماهرة الخبيرة فعلى سبيل المثال تبلغ تكلفة 20 كيلو من الخيوط الحريرية 2000 دولار وبإضافة أجور الصباغة والكر والتسدية إليها ( لف الخيوط على أسطوانة معدنية لتصبح طولية )، الحياكة ، الكهرباء، الضرائب تصبح التكلفة حوالي 3 ألاف دولار لإنتاج ما يقارب 100 متر فقط من الحريرالطبيعي وهي تكلفة تعد باهظة مقارنة بإنتاجها بمواد محلية الصنع.

وأوضح أن حرفة البروكار تتطلب الكثير من الصبر والدقة في العمل وأن عشقه لها هو ما حدا به منذ تخرجه للإصرار على ممارستها وتحدي الصعاب التي تواجهه في سبيل ذلك، فأخذ على عاتقه حماية الحرفة لما رآه من هجران أصحابها لها سواء كانت بالأنوال الآلية أم اليدوية فما كان منه إلا أن قام بشراء الأنوال التي أهملها حرفيوها وبادر إلى تأسيس معمل في جرمانا سنة 2012 يحتوي على 10 أنوال منها 7 آلية فضلاً عن شراء كل ما يتعلق بالحرفة من صور قديمة أو وثائق من أجل الحفاظ عليها، (مشيراً إلى مشاركته في مسابقة فخري البارودي للمؤرخين الشباب بتقديمه لبحث يتحدث عن الأقمشة الدمشقية على مدى 130 عاماً أي مابين عامي 1890 إلى الآن وفوزه بالمركز الأول).

وفيما يتعلق بمنعكسات الحرب على هذه الصناعة بين رنكوسي أن استقرار هذه الحرفة التراثية شأنها شأن باقي الحرف التراثية يرتبط بصورة وثيقة باستقرار البلاد لأنها تعتمد في تصريف منتجاتها بشكل خاص على السائح الأجنبي الذي ينبهر بجمال هذه المنتجات وأناقتها ودقة صناعتها فيقبل على اقتنائها مهما غلا ثمنها، وبالتالي أدى تراجع السياحة خلال سنوات الحرب إلى كساد المنتجات التي لا تلاقي رواجاً على المستوى الداخلي، ذلك أدى الى تحول العمل إلى كيفي لدى ما تبقى من حرفيين وبحسب الطلب، كما أدى سوء الأحوال المادية للمنتجين إلى عدم القدرة على الاستمرار في مزاولة المهنة نتيجة التوقف لفترات متقطعة عن الإنتاج، كما أن الفروق الحادة في الأسعار ما بين المنتج المصنع آلياً والمصنع يدوياً أدى إلى انحسار الطلب على اليدوي وتوقف إنتاجه كلياً، فمثلاً إذا كان سعر المتر الواحد من البروكار 30 ألف ليرة (7 ألوان ) فإن سعر اليدوي 100 ألف ليرة

وحول أعداد الحرفيين الذين يمارسون المهنة حالياً قال إن البروكار اليدوي يدق ناقوس الخطر بامتياز وأن الآلي ليس أحسن حالاً فأعداد الحرفيين لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة حتى فيما يتعلق بالإنتاج الآلي لايتجاوز أعداد عمال الأنوال الآلية ( 10 عمال ) مبيناً أن عدد المعامل قبل الحرب كانت 7 معامل تضرر بعضها خلال الحرب نتيجة أعمال سلب أو تهديم ولايزال بعضها الآخر يعمل من خلال نولين أو ثلاثة آلية، وهي معامل ( المزنر، بيت ال رشي (متوقف ) راتب الحلبي ( سلب خلال الحرب) بيت المتيني ( يعمل من خلال 6 أنوال) بيت الأصيل ( يعمل ) وتبلغ القوة الإنتاجية أسبوعياً 50 - 75 متراً حسب الصنف).

وحول فرص إعادة إحياء المهنة بين رنكوسي إن جميع الدعوات إلى إحياء هذه المهنة لم تكن بالجدية اللازمة فإلى الآن لم تتقدم أي من الجهات للسؤال عن أوجاع المهنة وكيفية إنعاشها ورأى أنه لابد من دعم وتدخل الجهات الحكومية لتشجيع الحرف التراثية عموماً ومهنة صناعة الحرير الدمشقي خصوصاً من خلال تبني إحدى هذه الجهات لتصريف المنتجات من المنتجين مباشرة دون وسيط يضاعف ثمن المنتج ويحرم الصناعي من حقه في الربح والاستمرار في العمل، ومن خلال التعريف بأهميتها وتميزها كصناعة عريقة ومتميزة اشتهرت فيها بلادنا وإعادة فتح تخصص ( البروكار ضمن الثانوية الصناعية ) بالإضافة إلى إدراجها ضمن برامج التدريب، مشيراً إلى الإعلان عن برنامج تدريب ستطلقه وزارة السياحة مع منظمة اليونسكو لإنشاء حاضنة تراثية متخصصة بالحرف التقليدية تتضمن 15 ورشة تدريبية على الحرف التراثية تم استثناء مهنة البروكار منها لأسباب غير معلومة !!.