هناك حكاية بسيطة كنت أسمعها في طفولتي، يمكن اختصارها بالتالي: اشترت إحدى نساء الحي 10 كغ صوف بسعر ليرة سورية واحدة للكغ لتصنع منه فرشة ولحافا.. في نفس اليوم زارتها جارتها وسألتها عن المكان الذي اشترت منه الصوف وعن سعره، فدلّتها على المكان، لكنها كذبت بخصوص السعر (بهدف البروظة) وقالت لها: سعر الكلغ ليرتان.

فقامت المرأة البسيطة مباشرة وذهبت إلى البائع وطلبت منه (10) كلغ صوف، فطلب منها الثمن (10) ليرات .. فقالت له: لا أريد هذا النوع، أريد النوع الذي اشترته جارتنا بسعر ليرتين للكيلوغرام، فابتسم البائع، ودخل بالصوف الذي زانه لها إلى الداخل ثم عاد به نفسه، وقال لها: هذا هو النوع الذي تطلبينه وأخذ منها (20) ليرة، ثم خرجت مسرورة!.

تذكرت هذه الحكاية - مع نفي صفة البساطة التي تتصف بها المرأة عن موضوعنا - عندما اطلعت على ما حصل في عقود استيراد القمح التي وقعتها «السورية للحبوب» بالتراضي مع خمس شركات لاستيراد (300) ألف طن قمح.. حيث وافقت تلك الشركات على تخفيض السعر من (230) دولارا للطن الواحد إلى (228) دولارا. لكن حين تثبيت العقود كان السعر الذي دفعته الحكومة هو (230) دولارا للطن!!

تفاصيل هذه المخالفة، ومخالفات أخرى جسيمة في هذا التحقيق، وبالوثائق:

المفتش يقترحتفشيل التعاقد..

تم الإعلان عن توريد 300 ألف طن لاستدراج عروض أسعار للتعاقد بالتراضي بالكتاب رقم ( 2096 / ص/ 407 /21 / 4 /1) الصادر عن المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب بتاريخ ( 30 / 10 / 2017).

وتم تحديد موعد فض العروض بتاريخ 13 / 11 / 2017.

واجتمعت لجنة الأمر الإداري رقم (205) المؤلفة من رئيس اللجنة (ع . أ ) . و(أ . ا ) عضوا. و(ن . أ ) عضوا بتاريخ 13 / 11 / 2017.

وتم فض العروض بحضور مفتش من الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وكانت الأسعار المقدمة من قبل كل شركة للطن الواحد على النحو التالي:

1- شركة الشرق الأوسط 231 دولارا.

2 - الأسواق الحرة العربية 245 دولارا.

3- الفهر أوف شور 245 دولارا.

4 - استيل أوف شور 245 دولارا.

5 - ماغا غروب 245 دولارا.

مع تلك الأسعار المعروضة اقترح مفتش الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش المندوب إلى الاجتماع تفشيل التعاقد لأن السعر الأدنى المعروض مرتفع، ويؤدي إلى ضرر بالمال العام، حيث كانت الأسعار العالمية في حينه بين 190 إلى 192 دولارا للطن الواحد..) وتم التفشيل، وذهب المفتش.

«الوثيقة لدينا»

ماذا حصل بعد

مغادرة المفتش؟

بعد ذهاب المفتش وتفشيل التعاقد، اجتمع مجلس الإدارة فورا بناء على توجيه الوزير السابق عبدالله الغربي وأصدر القرار رقم ( 140 / م)، وقد أعطى القرار مهلة ساعة للعارضين لتقديم أسعار أخرى مغايرة.

واجتمعت لجنة الأمر الإداري رقم (205) ثانية بنفس التاريخ، بناء على توجيه الوزير، واقترحت اللجنة التثبيت للشركات الخمس، بكمية (60) ألف طن لكل شركة، وبسعر (230) دولارا أميركي للطن،ومدة الشحن شهران، من 1 / 1 /2018 ولغاية 31/ 2/ 2018

«الوثيقة لدينا»

الدفع بالدولارمقابل تخفيض الأسعار..

وحين الطلب من المركزي قيمة العقد بالليرات السورية وفق سعر الصرف، قام حاكم مصرف سورية المركزي بتاريخ 27 /11 / 2017 بمخاطبة السيد رئيس مجلس الوزراء بالكتاب رقم (6252) تاريخ (27 / 11 / 2017 ).

يطلب فيه إعادة التفاوض مع الشركات للدفع بالعملات الأجنبية مقابل تخفيض قيمة الطن.

«الوثيقة لدينا»

وبناء على هذا الكتاب وبتاريخ ( 7 / 12 /2017) عقد اجتماع في مصرف سورية المركزي لمناقشة آلية التسديد، وانتهى الاجتماع بالاتفاق على أن يتم الدفع بالدولار نقدا مقابل قبول الشركات بتنزيل السعر دولارين كحد أدنى لكل طن.

وتم امهال الشركات يومين للرد.

«الوثيقة لدينا»

وبناء على ما سبق تم عقد اجتماع بتاريخ 11 / 12 / 2017 في مكتب مدير عام «السورية للحبوب» المكلف (ي . ق )، وبحضور مدير التجارة الخارجية (ب . ا) ومعاون المدير المالي (ع . ا) ورئيس دائرة الاستيراد (أ . ا )، وبحضور ممثلي الشركات للعقود المبرمة مع المؤسسة.

وعرضت الشركات الخيارين التاليين:

- (230) دولارا للطن، منها (10 دولارات ) لصالح صندوق الشهداء، إذا كان التسديد بالليرات السورية.

- (228) دولارا للطن، منها (10) دولارات لصندوق الشهداء، إذا كان التثبيت بالدولار.

(انظر الوثيقة رقم 8)

المفاجأة العجيبة

الغريب أنه بتاريخ (21 / 12 / 2017) صدرت توصية من اللجنة الاقتصادية رقم (57) تاريخ (18 / 12 / 2017 ) بالكتاب رقم (16527 / 1 تاريخ 21 / 12 / 2017 )، تضمن أحد بنود التوصية تسديد قيمة الأقماح المذكورة بالدولار الأميركي بدلا من الليرة السورية، ولكن بسعر (230 ) دولارا أميركيا، وليس بسعر (228) دولارا!!

ويبدو أنه غاب عن اللجنة الاقتصادية ما تم التوصل إليه مع الشركات بخصوص قبولها بتنزيل السعر دولارين لكل طن.

وكان يجب على «السورية للحبوب» وعلى السيد وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك توضيح ما تم الاتفاق عليه صراحة مع الشركات قبل صدور توجيه اللجنة الاقتصادية.

أما بعد توصية اللجنة وإغفالها لكتاب مصرف سورية المركزي رقم (6546) تاريخ 11 / 12 / 2017 الذي انتهى الاجتماع فيه بالاتفاق على أن تقوم الشركات بتنزيل (2 دولار) عن كل طن كحد أدنى حين التسديد بالدولار.

(هنا يمكن القول بثقة انه تم تغييب الأمر عن اللجنة الاقتصادية).

لأنه كان على المؤسسة مراسلة اللجنة الاقتصادية ووضعها بمضمون محضر الاجتماع مع الشركات وإعلامها صراحة بالمحضـــــر قبل الصرف، وأخذ رأيها بعد إعلامها أصولا، وخاصة أن محضر الاجتماع الذي وافقت فيه الشركات على تخفيض الأسعار بقيمة دولارين لكل طن موقع من معاون المدير المالي (ع . ا) ومن المدير التجاري (ب . ا) ومن المدير العام المكلف (ي. ق).

أما لماذا فعلت المؤسسة ذلك وما هدفها، فإننا لن نتكهن، وسنترك كشف الحقيقة للجهات الرقابية، ونضع الموضوع بين يدي السيد رئيس مجلس الوزراء، وخاصة أنه وجه بالتفاوض لتخفيض الأسعار.

إعلان العقود..

ثم مخالفة بنودها!!

ومن أهم المخــالفات التي قامت بها المؤسسة:

1 ـ التثبيت للشركات خلافا لرأي لجنة فض العروض ولرأي المفتش المشرف على أعمال اللجنة المتضمن تفشيل إعلان استدراج عروض التعاقد بالتراضي لارتفاع الأسعار.

2- التعاقد على كمية (60) ألف طن خلافا للاعلان الذي نص على أن الكمية هي (100) ألف طن كحد أدنى.

3- تم التسديد بالدولار خلافا لما نص عليه الإعلان.

4 - تم الدفع بموجب اعتماد مستندي خلافا للبند رقم (8) من إعلان العروض الذي نص على: (يتم تسديد ثمن الشحنات بعد وصولها إلى المرفأ السوري وقبولها أصولا في اليوم الثاني لإعطاء إذن التسليم للشحن كحد أقصى).

ماذا يعنيالاعتماد المستندي؟

الاعتماد المستندي هو أن يقوم المصرف المركزي بتخصيص القطع اللازم ووضعه بالمصرف التجاري السوري الذي يقوم بدوره بإعلام البنك الذي تتعامل معه الشركات بأن المبلغ محجوز لديه أصولا لصالح تلك الشركات، وبذلك يقوم البنك الخاص بتقديم كافة التســـهيلات والضمـــانات للشـــركات في الخارج وتحويل المبالغ لهم لقاء عمولة معينة، وهذا يعني أن الشركات تشتري بأموال المصرف المركزي، وليس بأموالها الخاصة.

***

«السورية للحبوب» ترد

المؤسسة السورية للحبوب وهي الجهة المخولة باستيراد القمح أكدت على لسان مديرها العام المهندس يوسف قاسم لـ«الثورة»: بأن المؤسسة وجدت مصلحة لها عند التجزئة إلى 60 ألف طن وبأن السعر مناسب.

وحول ما ورد بالإعلان من عدم فتح اعتماد مستندي ثم بعد التثبيت للشركات تم تغيير البند وتم فتح اعتماد مستندي, قال:» الاعتماد المستندي وفر نفقات كانت تترتب على المؤسسة بواقع دولارين للطن.

أما بخصوص دفع سعر 230 دولاراً للطن الواحد بدلاً من 228 دولاراً وهو السعر الذي وافقت عليه الشركات فقال: هذا السؤال يوجه للجنة الاقتصادية.

وتابع: المذكرة كانت واضحة ورفعناها لهم: وحين سألته عن واجبه بتوضيح الأمر مرة أخرى للجنة الاقتصادية التي ربما غفلت عنه.. قال: ليس من واجبي ذلك وأنما من واجبي تنفيذ توجيهاتها وقراراتها .

***

اشارات استفهام

«لو أن الاعلان تضمن:

- التجزئة إلى كمية (60) ألف طن.

- الدفع بالدولار.

-فتح اعتماد مستندي.

لو أن ذلك حصل لتقدمت عدة شركات أخرى ولحصلت منافسة أدت إلى تقديم أسعار أرخص.

ولكن يبدو أن الخطة أن يكون الإعلان شيئا والواقع العملي شيء آخر كي لا يتمكن أصحاب الشركات المتوسطة من تقديم عروضهم، وليكون الإعلان من نصيب الشركات الكبيرة».

5 - تعديل بعض بنود العقد بناء على طلب من إحدى الشركات خلافا للعقد،حيث طلبت تلك الشركة «والاسم لدينا» بتاريخ (15 / 4 / 2018) إلغاء البنود (4 - 8 - 9 - 10 - 11) من العقد. ووافقت المؤسسة على ذلك بالكتاب رقم (1037/ 178 / 21 / 5 / 1 / ص) الموجه إلى المصرف التجاري السوري بتاريخ ( 16 / 4 / 2018).

6 - تمديد مدة الشحن لكمية ( 300)ألف طن بين الشركات لتكون خمسة أشهر خلافا للعقد، اي حتى نهاية (31 / 5 / 2018).

7 - قامت المؤسسة بتبرير مدة التأخير تحت حجة الظروف القاهرة، التي نصت عليها المادة (53 / هـ) من نظام العقود للجهات العامة الصادرة بالقانون رقم (51) لعام (2004)، ولكن لم يحدث أي ظرف طارئ أو قاهر أثناء تنفيذ العقود بدليل أن احدى الششحنت خلال الفترة الواقعة بين (2 / 1 / 2018 ولغاية 10 / 2 / 2018).

وتبرير التأخير خلافا للقانون ضيّع على الخزينة قيمة غرامات التأخير البالغة 0،5% من قيمة العقد عن كل يوم تأخير.

المؤسسة تترك أموال صندوق الشهداء لدى الشركات الخاصة!!

أمر آخر يطرح إشارات تعجب واستفهام عن السبب الذي يجعل «السورية للحبوب» صامتة ولا تطالب (3) شركات بمبلغ ( مليار وثمانمئة وتسعة وثلاثين مليون ليرة) مستحقة لصندوق أبناء الشهداء على تلك الشركات منذ نحو عام.

وهذه تفاصيل الموضوع باختصار شديد:

تعاقدت «السورية للحبوب» مع ثلاث شركات لاستيراد (600 ألف) طن قمح، بمقدار (200) ألف طن لكل شركة، بسعر (225) دولارا أميركيا للطن الواحد، مقابل (7) دولارات أميركية تدفعها تلك الشركات لصندوق أبناء الشهداء،

وبحسبة بسيطة يظهر المبلغ المخصص لأبناء الشهداء (600،000 7 = 4،200،000) (أربعة ملايين ومئتي الف دولار)

وكان سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية في المصرف المركزي حينذاك (438) ليرة.

أي إن المبلغ هو مليار وثمانمئة وتسعة وثلاثون مليون ليرة.

ورغم تأخر تنفيذ العقود لأكثر من عام، وحتى تاريخه لم يتم تسديد المبلغ المخصص لصندوق ذوي الشهداء من قبل الشركات!!

والمؤسسة تقول إنها تنتظر تصفية العقود، ولكن يحتمل ألا تتم تصفيتها لمدة عامين قادمين لأن هناك ثبوتيات لم تكتمل بعد.

ومن واجب المؤسسة تحصيل ذلك المبلغ المخصص لصندوق ذوي الشهداء .. علما أن ذلك المبلغ عمليا يتم دفعه من أموال المؤسسة لأن تلك الشركات تضيف الـ (7) دولارات على أسعارها التي تقدمها في عروضها للمؤسسة.

والشركات واضحة بالأسماء الواردة في العقود وهي لدينا.

 

 

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع