كثير من الصدمات الإجتماعية والعاطفية وربما المعيشية التي يتعرض لها أبناء المجتمع وخاصة جيل الشباب من الذكور والإناث تضطرهم للبحث عن سبل أخرى لتعويض خسارتهم أو علاج أزماتهم النفسية فلا يجدوا طبيباً بارعاً في حل مشاكلهم وتخليصهم من انكساراتهم وهمومهم إلا ذلك الطبيب الافتراضي الذي يهيئ لهم عالماً واسعاً من العلاجات المجهولة المصدر للتخلص من عقدهم النفسية والإجتماعية إنه طبيب العواطف الإلكترونية المتخفي وراء ستار الشاشات والمعروف بالإنترنت وما يتفرع عنه من وسائل تواصل اجتماعي مختلفة .

فبعد أن يفشل البعض في علاقاتهم العاطفية وربما الزوجية وحتى هروباً من ظروفهم المعيشية تتشتت أنظارهم في كل الإتجاهات بحثاً عن البديل لتعويض تلك الخسارات فلا يجدوا أمامهم متنفساً ينقذهم من واقعهم المر إلا تلك الشاشات الإلكترونية الصغيرة والتي ستدور بهم في كل أرجاء الأرض بحثاً عما يتوقعوه أنه الأفضل وربما شريك أو شريكة العمر ، وهذا ما يلجأ إليه أغلب شباب وشابات هذا العصر فهل ينجحون في تحقيق أمنياتهم بعد أن فشلوا ضمن إطار واقعهم المجتمعي وبيئتهم التي أجبرتهم على الهروب الى العالم الافتراضي ؟.

العديد من الشواهد الحية التي التقيناها تثبت صحة ما نود الحديث عنه والتي كشفت روايات واقعية لعدد من المغامرين الافتراضيين الذين أدمنوا الجلوس وراء تلك الشاشات ناسفين واقعهم وراء ظهورهم ليرسموا مستقبلهم وأحلامهم وفق صور ومشاعر وهمية أنتجت دراميات فاشلة بلا هدف .

- تجارب فاشلة

أشرف شاب في الأربعين من عمره ويعتبر نفسه من فرسان الانترنت اختار زوجته من خلال وسيلة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) بعد تعارف لمدة لم تتجاوز ستة أشهر وقد جمعت بينهما قصة حب إلكترونية كللت بزواج موثق وبعد مرور عام باءت بالفشل وانتهت بالإنفصال والطلاق ومع مرور الوقت اكتشف أشرف أن ذاك الحب والعلاقة الزوجية كانت مجرد وهم وهروب من الواقع ، موضحاً أن الحب و الزواج والعلاقات العاطفية عن طريق وسائل التواصل يعتريها الكثير من الكذب والخديعة وإخفاء الحقائق من قبل الطرفين موجهاً رسالة الى الشباب والشابات بأن عليهم بالتروي وعدم التسرع بما يخص موضوع الإرتباط والزواج واختيار شريك أو شريكة العمر مفضلاً بعد الإنفصال عن زوجته الإبتعاد عن العالم الإفتراضي في اختيار شريكة جديدة للزواج .

بيسان فتاة شابة بعمر ٢٥ عاما تقول : إنه منذ حوالي سنة تعرفت على شاب عن طريق الانترنت ومع مرور الوقت شيىء ما أصبح يشدها لذاك الشاب لتكتشف أنها قد أغرمت به وبعد تعارف الكتروني دام ثلاثة أشهر أصبح لدى بيسان فضول لرؤية ذاك الشاب على أرض الواقع والذي كان في أغلب الأحيان يتهرب من موضوع اللقاء لتكتشف بيسان فيما بعد أن ذاك الشاب يعاني من إعاقة جسدية فكانت المفاجئة كالصاعقة والتي أحرقت مشاعرها وتفكيرها وهذا ما جعلها تفقد الثقة بالآخرين .

- وأخرى ناجحة

عروة في سن ال ٤٢ يقول : إنه نجح باختيار زوجة لنفسه عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي وهو يعيش معها بهناء على حد قوله ، وقد رزق بطفل منها وهما يعيشان حياتهما بطمأنينة من دون أي مشاكل ، ولا يرى عروة أن هناك أي مشكلة في التعارف و الزواج عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي وهو يرجح سبب فشل بعض الأشخاص باختياراتهم لخلل ما في مستواهم الفكري أو الاجتماعي وحتى البيئي الذي يجعلهم عاجزين عن تقييم الآخرين وعدم القدرة على المضي بعلاقاتهم والسير بها بمصداقية ليكتب لها النجاح والاستمرارية .

- أسباب متعددة

وعن رأي الشرع يرى الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة أنه ونتيجة بعد الواقع عن تطلعات الشباب وأحلامهم يتوجه أغلبهم نحو وسائل التواصل الاجتماعي فربما وجدوا فيها متنفساً يحقق لهم البعض من تلك الأحلام منوهاً الى أن هذه الوسائل كان لها دوراً في توفير أرضية جيدة للشباب من خلال الاطلاع على أخبار الكون إلا أن تجاوز هذه الفائدة العلمية من قبل عدد من جيل الشباب وربطها برغباتهم وحاجاتهم النفسية سيؤدي حتماً إلى الوقوف على حافة هاوية أخلاقية وشرخ اجتماعي وصدع أسري.

وأضاف الدكتور كوكة أن أغلب الشباب ما عدا قليل منهم يتوجهون الى تلك الوسائل لإشباع تطلعاتهم وحاجاتهم الغريزية فمنهم من اتخذها للتواصل مع الفتيات بهدف التسلية وتضييع الوقت ومنهم من سلك سبل المشاهدات غير المشروعة وبعضهم من حاول البحث عن فتاة لبناء علاقة عاطفية معها فربما تكون له فرصة للسفر والمال والراحة الاجتماعية.

- كثير منها فاشل

وأوضح الدكتور كوكة إن أغلب العلاقات العاطفية عن طريق النت تبوء بالفشل لكونها مبنية منذ بدايتها على الوهم فمنهم من يكذب أو تكذب على الآخر بما يخص الشكل أو الوضع الاجتماعي أو التربية والأخلاق فإذا التقيا على أرض الواقع كانت الصدمة وكان الفشل الذريع .

- تأثير سلبي على الروابط الأسرية

وعن آثار التعارف لتلك العلاقات العاطفية عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي أكد كوكة أن الجلوس أغلب الأوقات وراء تلك الشاشات والتعلق بأوهام العلاقات الإلكترونية من شأنه إضاعة الفرص الواقعية المناسبة للارتباط لدى الشباب والفتيات مما يشكل خسارة كبيرة في حياتهم وقد يغلق الشاب على نفسه فيحيا حياة الوهم بعيداً عن الواقع مما يسبب له صدمة خطيرة إذا أراد التحول الى واقعه .

ويشير الدكتور كوكة الى التأثير السلبي لتلك الوسائل في الحد من الروابط الأسرية وتقليصها مع اتساع رقعة استخدام تلك الوسائل وهذا بدوره يؤدي إلى تغير حال العلاقات الأسرية المبنية على الحوار والمشاركة والألفة ليتحول أفراد الأسرة إلى غرباء لا يعرف بعضهم الآخر .

وشدد الدكتور كوكة على أن الابتعاد عن الأوامر الدينية وعدم الوقوف عند حدود الشريعة والهروب من الالتزامات الأخلاقية أدى الى تدهور العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية وهذا ما جعل البعد الإلكتروني يحتل مكان البعد الإنساني .

ويوضح كوكة أن الشاب عندما يلجأ الى الزواج عن طريق النت سيجد نفسه في عالم ضبابي لذلك عليه أن يسلك السبيل الصحيح للقاء أهل الفتاة ووضعهم في حقيقة الأمر والسير على النهج الذي نصت عليه الشريعة .

التقيد بالضوابط الأخلاقية والدينية

وبالنسبة لمدى وجوب وصحة العلاقات العاطفية عن طريق الإنترنت ووسائل التواصل بين الشيخ كوكة أنه يجب على الأشخاص تحريم ما حرمه الله من كلام غير لائق أو مشاهدة بعضهم بعضاً بشكل لا يليق فحكم الخلوة على وسائل التواصل هو نفسه حكم الخلوة في الواقع ، منوهاً الى دور وأهمية وسائل التواصل الاجتماعي إلا أنه يجب على مستخدميها التقيد بالضوابط الأخلاقية والدينية فكل ما نهى عنه الشرع هو من المحرمات وكل ما دعا له هو من المطلوبات .

- التكنولوجيا أفرزت أنماطاً اجتماعية جديدة

الدكتورة ندى مواس أستاذة علم الاجتماع في جامعة حلب تقول إنه نتج عن ثورة التكنولوجيا والاتصالات مع بداية القرن الحادي والعشرين تغيرات جذرية على كافة مستويات الحياة الإقتصادية والثقافية والعلمية والإجتماعية على حد سواء ومما لا جدل أن التغير الحاصل قد أصاب العلاقات الإجتماعية بصورة خاصة بحيث نتج عنها أنماط جديدة من العلاقات لم تعرف من قبل هذا وقد اتسع نطاق التفاعل الإجتماعي بصورة ملحوظة ضمن فضاء إفتراضي لم تعد فيه أدنى شروط المعرفة الشخصية مطلوبة بين المتفاعلين .

وتضيف مواس أنه رغم الصراعات التي يعيشها العالم فإن وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة وجدت لتكون واسطة إتصال بين الناس في كافة الظروف القاسية إلا أنه لكل اختراع سلبيات ما في حال أسيء استعماله ، حيث أن مواقع التواصل والتي لا يشترط التعرف الشخصي فيها التثبت والتأكد من هوية الطرف الآخر نتج عنه تجاوزات وانحرافات لم تكن تعرفها المجتمعات حيث برمجت الناس على تقبل التفاعل مع الغرباء بدون أدنى مستوى من الحذر والتحفظ ووصل ذلك لحد السذاجة التي حولت حياة الناس الخاصة الى صفحات مفتوحة أمام الجميع .

- متنفساً لشرائح واسعة

وأضافت مواس أن الأزمات والحروب التي تتعرض لها المجتمعات وما نتج عنها من ضغوطات نفسية وإجتماعية وإقتصادية وثقافية جعلت من مواقع التواصل هذه المتنفس الأوحد لدى شرائح واسعة في المجتمعات بأكملها ، إذ تحولت العلاقات الإنسانية والجادة المبنية على الحقوق والواجبات الى علاقات تتصف بالسيولة والتماهي والتلاشي في أخطر صورها الحديثة وأصبح المرء يستسلم لأي طرف آخر فيتخلى عن المرئي المحسوس ليتعلق ويتمسك باللامرئي الإفتراضي .

- العلاقات الإلكترونية تهدم الحقيقية

وتوضح الدكتورة مواس بأن علاقات الإرتباط و الزواج التي تبنى بين الطرفين من خلال الشبكة العنكبوتية من شأنها هدم العلاقات الحقيقية السابقة المدعومة بقوة الرقابة المجتمعية والضبط الإجتماعي والتي تم تهميشها لصالح فكرة مواكبة الحضارة و التطور والسرعة و بالتالي تصدع البناء الأسري وضياع أهمية ووظيفة الأسرة لصالح العلاقات الإلكترونية المائعة التي لا يلتزم أطرافها بأدنى الواجبات تجاه بعضهم البعض سواء في الحياة الواقعية أو الإفتراضية ولكي يتمكن الأشخاص من جني ثمار ناضجة وتحقيق طموحاتهم لابد من الإجتهاد والتخطيط السليم ضمن دائرة النية السليمة بما يخص موضوع الزواج والإرتباط أو أي موضوع آخر و المبدأ واضح (فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى).

- ختاماً

أمام آراء الشباب والمختصين يبقى التأكيد على أهمية الوعي الاجتماعي والأخلاقي والذي يعززه العامل الديني والإلتزام بالأوامر والقوانين الإلهية التي حض عليها الشرع وبالتالي السير بالطريق السليم وعدم الإصطدام بالمطبات الإجتماعية والحياتية والتي قد يتعرض لها الفرد فالمشكلة ليست مرهونة بوسائل التواصل الإجتماعي ولا بالواقع وإنما بالأفراد أنفسهم وسلوكياتهم ومستوى إدراكهم وتربيتهم الدينية والأخلاقية والتي من شأنها إما أن تنهض بالمجتمع نحو القمة أو تجرفه إلى الهاوية .