كي تكحل عينيك برؤيتها وتحظى بشرف استقبالها لك عليك أن تكون قارئاً نهماً وباحثاً عن المعرفة أو من الدارسين وطالبي العلم، أو من عظماء المفكرين الذي حظيوا بزيارتها وإقامة المحاضرات فيها أمثال ( محمد حسنين هيكل- طه حسين - عباس محمود العقاد - وميخائيل نعيمة - وعبد السلام العجيلي - بشارة الخوري - أحمد أمين وغيرهم ) بحلتها الأثرية تتوسط منطقة باب الفرج في مدينة حلب وبشعاعها الفكري تحيل الأعمى إلى بصير والأبكم إلى فصيح اللسان. بقيت وستبقى بالرغم من المحن والخطوب منذ انتقالها من خان الجمرك كمجمع علمي عربي يضم أكثر من/ ٥ / آلاف كتاب ووضع حجر أساسها عام /١٩٣٧/ مقابل ساعة باب الفرج الأثرية ، حتى افتتاحها بمسمى دار الكتب الوطنية عام/ ١٩٤٥/ بقيت شعلة ثقافية لاتنطفئ ومركزا علميا حضاريا لايستهان به، تناوب على إدارتها ذوو علم وفكر منهم ( كامل الغزي - عمر أبو ريشة - سامي الكيالي - يونس رشدي- محمد علي الزيبق - محمد صبحي الأبو أحمد ) وغيرهم ...

بهذه القناعة التي لاتقبل الشك والمعلومات الموثقة تاريخياً بدأ مدير دار الكتب الوطنية محمد حجازي الذي تولى إدارتها في عام ٢٠١٢ حديثه للجماهير عن الدار مبينا أن لها وقعاً خاصاً من الذكريات في قلوب ووجدان أبناء حلب الشهباء يشابه وقع قلعة حلب الأثرية ..

- محطة لطالبي العلم وإنتاج المقررات الجامعية.

وعن الدار قبل الحرب التي تتألف من طابقين، الأول سفلي يحتوي على المسرح وغرف الاستقبال ، فيما الثاني يحتوي على مخزن الكتب، وقاعتي عمر أبو ريشة -والمطالعة - وقاعة المحاضرات إضافة لغرفة الإدارة ، يقول حجازي: إنها كانت تفتح أبوابها منذ الساعة الثامنة صباحا حتى الثامنة مساء تقدم فيها الإدارة مع الموظفين جميع الخدمات المتعددة عبر نظام الإعارة الداخلي أو الخارجي لطالبي العلم والدارسين .. إذ يضم مخزنها ١٠٠ ألف عنوان من أهم الكتب والمراجع الأدبية والتاريخية والثقافية والفكرية والسياسية والعلمية إضافة لإصدارات الجرائد المحلية والصحف والمجلات العالمية والعربية ومنهم ( مجلة الصياد - المعلم العربي - الطليعة - المستقبل- الهلال - والفيصل- الجماهير - الثورة - تشرين ) فكل مايطلبه المرء من دار الكتب الوطنية من المراجع المحققة وأمهات الكتب في المجمل هو موجود فضلاً عن أنها محطة مهمة لطلبة الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه ولإنتاج المقرر الجامعي والكتاب الأدبي أو العلمي قبل صدوره في الساحة الثقافية.

-الفعاليات الثقافية أثناء الحرب .

ويتابع حجازي موضحا أن الدار لم تتوقف عن إقامة فعالياتها الثقافية بالرغم من خطورة الوضع في حلب أثناء الحرب ، إذ لم يتخل عن إدارتها في أقسى الظروف باذلاً مع العاملين فيها والقيادة السياسية والإدارية في حلب الجهود الحثيثة للمحافظة عليها واستمرار نشاطاتها، إذ كانت تقام النشاطات الثقافية في غرفة مكتب الإدارة ، وفي بعض الأحيان تقام في غرفة المطالعة والمسرح ، إلى أن اشتد الوضع وأصبح فيه من الخطورة التي استدعت نقل الأنشطة الثقافية كافة ، لتقام بالتعاون مع مديرية الثقافة باسم دار الكتب الوطنية في المركز الثقافي في العزيزية وصالة تشرين في السبيل، وبقي الوضع مستمرا بإمكاناته البسيطة إلى أن تم تحرير حلب ، موضحاً أن ماتم نقله من دار الكتب هو فقط الأنشطة الثقافية ، أما عماتحوي المكتبة من كنز علمي وفكري من الكتب فلقد تم الحفاظ عليه بتوجيهات من مدير الثقافة جابر الساجر بابقائه داخل المخزن والعمل على عدم تعرضه للتلف والدمار، وذلك بإغلاق المنافذ كافة، وتصفيح الجدران بصفائح معدنية حتى لاتتأثر الكتب بما ينهال على الدار من قذائف من قبل الإرهاب..

- تحرير حلب وإعادة الروح للدار .

وبين حجازي أن الدار نتيجة الحرب فقدت العديد من العاملين فيها فبعد أن كان عددهم يقارب/ ٣٧ /موظفاً أصبح لايتجاور /١٣ /موظفاً وأن وضع بناء الدار كان بعد التحرير مزريا يرثى له من حيث التجهيزات الداخلية ولكن عبر جهود أهلية والمنظمات الشعبية في مقدمتها ( الشبيبة - والطلائع - والجمعيات التنموية ) وبعد الحصول على الموافقات الأصولية لترميم الدار بُدئ بإعادة الروح لها من ترحيل الأنقاض والأتربة والزجاج حتى أصبح الهيكل العام مقبولا وعلى الفور تم التنسيق وتنفيذ الفعاليات الثقافية من ( حفلات توقيع كتاب - وأمسيات أدبية وشعرية - وحفلات فنية ) على مسرح الدار إذ لم يتأثر كثيرا واستمر هذا الوضع على مدى عامين حتى بدأت الأمور المالية بالتحسن للنهوض بالدار وإعادتها إلى ألقها كما كانت في السابق ..

-أعمال الترميم على قدم وساق.

ويشير حجازي إلى أن أعمال الترميم بدأت من القسم العلوي الذي يضم قاعة أبو ريشة وغرفة الإدارة وقاعة المطالعة والمحاضرات ولقد تعثر الترميم لبعض الوقت نتيجة عدم انتظام التوريدات المالية لإنجاز المشاريع ولكن بعد ذلك انتظمت التوريدات المالية فتم إنجاز المشاريع والانتهاء من القسم العلوي للدار ثم ترميم القسم السفلي الذي يتألف من المسرح وغرف الاستقبال والذي جاري ترميمه في وقتنا الحاضر على قدم وساق، مبينا أن ماتم إنجازه حتى الآن من أعمال الترميم ، يقارب ال٩٥ % من الأعمال وأنه من المقرر افتتاح الدار في مطلع عام ٢٠٢١.

-خطط ومشاريع .

وأوضح حجازي أن من الخطط المعزم تنفيذها بعد الانتهاء من أعمال الترميم استثمار كل أقسامها بدءاً من قاعة المطالعة التي سيتم إحداث مكتبة إلكترونية فيها بهدف أرشفة كتب الدار ، لتصبح في متناول الجميع والوصول إلى شريحة أوسع من المتلقين ، ولجذب الباحثين والمطالعين والمتخصصين ،وصولا إلى قاعة أبي ريشة والمسرح ، فضلا عن مشروع رفد المكتبة بالمراجع والكتب والدراسات النقدية الصادرة حديثا بمختلف اختصاصاتها من اقتصادية وتاريخية وجمالية، ولقد تم بالفعل رفد المكتبة أواخر فترة الحرب بما لايقل عن ١٠ آلاف كتاب عبر الشراء المباشر ومن المكتبات العامة والخاصة والمعارض وماترسله الوزارة من إصدارات جديدة إذ تم رصد ميزانية ضخمة، بهدف استمرار ضخ الكتب للدار شهرياً وإحداث الدار بحلة جديدة من خلال تقديم الأنشطة الثقافية والخدمات النوعية ذات المستوى العالي والمميز بجودة مغايرة للطابع الذي كانت تقدمه الدار في فترة الحرب.

شعاع فكري لاينطفئ.

-ولفت حجازي إلى أن المكتبة الوطنية ستبقى الصرح الثقافي الفكري الذي كان على مدى أكثر من ٨٠ عاماً من أبرز مناهل العلم في حلب الذي يمد الباحثين والمثقفين بشتى أنواع المعرفة، إضافة إلى أنها كانت مأوى للأدباء والشعراء والطلبة الدارسين الذين لايجدون مكاناً للمطالعة في منازلهم أو دراسة مقرراتهم الدراسية كونها تزخر بأهم المراجع العلمية والمخطوطات الأثرية النادرة والدراسات الإنسانية والبحثية المحققة ، منوها في ختام حديثه بدورها التنويري الذي أحدث نقلة نوعية أدت إلى تطور الواقع الثقافي في حلب، مشيراً إلى أنه سيسير على خطا من سبقوه في إدارة المكتبة الوطنية من أعلام وشخصيات فكرية وثقافية ، وأنه سيسعى جاهداً لتطوير وتقديم الخدمات النوعية الأفضل برؤية مستقبلية تواكب العصر الحديث وتلبي جميع الطموحات.