في محاضرته "الطين المقدس "التي ألقاها المهندس نزهت معصراني في قاعة الدكتور سامي الدروبي بالمركز الثقافي بحمص بدأ قائلاً :قد يبدو غريباً أن نلصق صفة القداسة بالطين فاستخدامنا اليوم للطين كمادة لا يعكس هذه الصفة ثم استعرض بعد ذلك سبب هذه القداسة مبيناً أنّ أقدم ما اكتشف هو استخدام الإنسان للمغرة ،والمغرة هي بودرة حمراء موجودة بالطبيعة ولا تزال تستخدم بصباغ الدهان حتى اليوم ،حيث خلط المغرة بالماء يعطي ما يشبه خلوص المولود وهذا ما جعل الإنسان القديم يستخدم المغرة لدهن هياكل الموتى ظناً منه أنها تهبه الحياة من جديد ،وأشار المحاضر أن ّ الهياكل المطلية بالمغرة وجدت في كريمالدي وبافيلاند وكلاموران وبرنو وغيرها وهي تعود لعصر البالوليت الأعلى هذا الطقس انتقل إلى أماكن أخرى حيث وجدت هياكل مطلية بالمغرة في وادي النطوف قرب أريحا بفلسطين ،وتعود هذه الهياكل للألف التاسع قبل الميلاد في الفترة المسماة ميزوليت ......وفي العصر الحجري الحديث تحول الإنسان إلى الزراعة والتدجين حيث ظهرت القرى الزراعية والأدوات الحجرية المصقولة وصناعة الخزف والفخار وتطورها ..بعد هذا التاريخ اتخذت التسميات منحى جديداً حيث بدأ عهد الفخار عهد جديد للطين والآجر والقرميد واللبن والخزف وقد أطلق على حضارات الفترة من /8000 إلى 6200 )قبل الميلاد اسم حضارات ما قبل الفخار وتجلى الوجود الحضاري بما وصل إلينا من بلاد الرافدين وأريحا بفلسطين لنعبر خلالهما وباستمرارهما لعصر الفخار ...وأوضح المحاضر أنّه تم العثور على عشر جماجم محشوة بالطين والمطلية بالجص ومطعمة عيونها بالأصداف .إن إنسان ذلك الزمان ربما اعتقد بقوة العقل واعتبار الجمجمة مقراً للروح وللقوة المقدسة وهو ما اصطلح البعض على تسميته عبادة الجماجم .ثم عرّج على طقس آخر سبق الجماجم في أم الدباغية بالعراق ويتجلى بمدافن منزلية على شكل حفرة يوضع الميت فيها بشكل جنيني ويردم بالطين وتوضع بلاطة حجرية فوق الرأس وهناك طقس آخر يدل على قداسة الطين حيث كان الأطفال يقبرون في حسونة بوضعهم في جرار فخارية .وبالتدريج بدأت تظهر مرفقات الدفن مما يشير إلى أن الإنسان بدأ يعي فكرة الروح والحياة الأخرى والتزود بما يلزم وصولاً لتلك الحياة .

وبعد الفترة التي تحول فيها الإنسان إلى الزراعة وإدراكه لقيمة الأرض والبذرة والخصب ربط ما بين الأرض والمرأة وبدأت تظهر دمى ممثلة للآلهة الأم مصنوعة من الطين ...ثم بدأ النقش على الأواني الفخارية ،وهذه النقوش تعتبر ضماناً لصاحب الإناء يجلب له الخير ،ويبعد عنه الشر وأوضح المحاضر أنّ الفخار انتقل ليصبح صناعة .....كما عرفت العجلة في صناعة الفخار وشوي الأدوات الفخارية لتصبح أكثر صلابة وأشار أنّ الكتابة المسمارية كانت تتم على ألواح من الفخار حيث تم تدوين أدب ذاك الزمان ويومياته ودينه وموسيقاه وفنه .

لكن بالصناعة تنتهي قداسة الطين ......وختم محاضرته بأن الإنسان خلق من تراب وهذا يشير إشارة واضحة إلى قدسية الطين الذي خلق منه البشر .