يعتبر القطاع الصناعي عاملاً هاماً في إحداث النمو الاقتصادي لدوره الكبير في تأمين احتياجاته واحتياجات باقي القطاعات الرئيسية في الاقتصاد الوطني من جهة (الزراعة، التجارة، البناء والتشييد، النقل وغيرها)، ولقدرته في تأمين احتياجات السوق المحلية من السلع والمواد المصنعة وتوفير جزء منها للتصدير إلى الخارج من جهة ثانية، مما يؤمن بعضاً من حاجة الاقتصاد من القطع الأجنبي..ولما كانت مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي تصل لأكثر من 60% قبل سنوات الأزمة فقد كان من الطبيعي أن تعطيل الإنتاج ولو جزئياً فيه سيؤدي إلى تدهور معظم مؤشرات الاقتصاد الوطني الرئيسية بسبب تشابكاته مع باقي القطاعات الأخرى.

فقد بلغت قيمة الإنتاج في القطاع الصناعي السوري في عام 2010 حوالي 635.5 مليار ليرة أي ما كان يعادل 12.7 مليار دولار تقريباً شكل القطاع الخاص نسبة 76% منه، في حين بلغت إجمالي القيمة المضافة المتحققة 151.24 مليار ليرة شكل القطاع الخاص منه نسبة 97% بحسب المكتب المركزي للإحصاء.ولا شك أن مديرية الصناعة في حمص تعد مفصلا هاما في المحافظة , فهي معنية بتشجيع القطاع الصناعي بشقيه العام والخاص , وتقديم التسهيلات للصناعيين لعودة عجلة الصناعة إلى الدوران بعد ظروف الحرب القاسية التي تعرضت لها المحافظة ...

التقينا المهندس أسعد وردة مدير الصناعة في حمص ليحدثنا عن آلية عمل المديرية وإجراءاتها المتخذة لتسهيل عمل الصناعيين والصعوبات التي تعترض هذا القطاع الهام ...

قطاع متطور

عن ميزات محافظة حمص قال وردة : تمتد على رقعة جغرافية تمثل 1/5 مساحة القطر (40) الف كم2 , وبالتالي فيها إمكانيات مادية وبشرية كبيرة من مكامن المواد الأولية في البادية « فوسفات- كوارتز- ملح- نفط- غاز» إلى المناطق الجبلية التي تمتاز بالمنتجات الزراعية الوفيرة من «التفاح والحمضيات والزراعة مثل الأقماح والزيتون , هذا الأمر أتاح لحمص أن تمتاز بصناعات مميزة «زيوت- سمون- و صناعة السيارات مؤخراً» .

وأضاف : إن الصناعة تحتاج وبشكل دائم إلى صناعة ثقيلة للنهوض بالواقع الصناعي لذلك لا بد من وجود مدينة صناعية حاضنة للصناعات الكبيرة التي تحتاج إلى مساحات كبيرة وطاقة كهربائية (معامل صهر الحديد) , وبالتالي تقوم المدينة الصناعية باحتضان هذه الصناعات والانطلاق إلى مرحلة تصنيع مستلزمات الإنتاج ,ونطمح في حسياء لوجود معمل كونسروة مثلاً وخط إنتاج لصناعة الزيوت , فوجود المدينة الصناعية يساهم في تأسيس البنى التحتية لقطاع صناعي متطور يساهم في زيادة انتشار المنشآت الصناعية في كافة أرجاء المحافظة .

خارطة استثمارية

عن طبيعة عمل المديرية قال : تقوم المديرية بمنح قرارات الترخيص للمنشآت الصناعية والحرفية والتي تشمل «إقامة استثمار – تغيير غرض صناعي – تكبير حجم – إضافة غرض – إلغاء سجل صناعي أو حرفي – ترخيص مراكز تدريب مهني وحرفي وجمعيات تعاونية إنتاجية , إضافة إلى إلغاء سجل حرفي أو صناعي أو قرار ترخيص صناعي في حال توقف المنشأة عن العمل بشكل مستمر لمدة تزيد عن سنة أو إذا خالف شروط الترخيص , ومنح الموافقات اللازمة لمنح إجازات استيراد المعدات الصناعية لإقامة المشاريع الجديدة والمواد الأولية اللازمة لاستمرار العملية الإنتاجية.

وأضاف وردة : تقوم المديرية وبالتنسيق مع الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس في وزارة الصناعة بإعداد قوائم المواصفات والمعايير لأهم الصناعات والمواد الأولية المحلية ومواصفاتها , ثم تعميم هذه المواصفات على المنشآت وإلزامها بتطبيقها عن طريق اللجان المشكلة من قبل محافظة حمص وعن طريق « دوائر الرقابة الصناعية» بالمحافظة أيضا .

وفيما يخص التراخيص للمنشآت قال : يتم تزويد طالب الترخيص بالمعلومات والبيانات الإحصائية والبحوث والخرائط الفنية التي تلزمه في إنشاء صناعة معينة أو التوسع في صناعة قائمة , كما تقوم المديرية بوضع خارطة استثمارية للمحافظة لإقامة صناعات أساسية تعتمد في إنتاجها على مواد أولية محلية تنتج ضمن المحافظة , أو موجودة أصلا كمواد أولية طبيعية , ومنح الإعفاءات المالية للمنشآت المقامة استنادا للمرسوم /103/ لعام 1952 .

وعن كيفية إعطاء الترخيص للمنشأة الصناعية قال : اذا كانت الصناعة المراد إقامتها تقتضي تواجدها في المدينة فيوجه إلى ذلك أو في حال وجود صناعات تعتمد مثلا على مواد محلية زراعية مثل «أعلاف- معاصر زيتون , ..الخ» ترخص في أماكن الإنتاج , بعد موافقة الجهات الإدارية تمنح الموافقة وتستكمل إجراءات الترخيص المتضمنة وجود سجل تجاري –شهادة غرفة الصناعة , ثم يقدم الترخيص الإداري النهائي ليمنح بعدها السجل الصناعي اللازم ويباشر بالإنتاج.

وتشرف المديرية مباشرة على الجمعيات الحرفية والتعاونية ومراقبة عملها والاطلاع على موازناتها وحساباتها , والإشراف على الانتخابات لاختيار مجالس إداراتها استنادا للمرسوم /250/ لعام 1969 والقانون /317/ لعام 1956 والمعدل بالقانون /91/ لعام 1958 .

مضيفاً:تتألف المديرية من دوائر عديدة وهي دائرة الصناعات الهندسية و الصناعات النسيجية‏ - الصناعات الغذائية‏ - الصناعات الكيميائية‏ - التعاون وتنظيم الحرفيين‏ - التخطيط والإحصاء‏ - الرقابة الصناعية‏ - الشؤون الادارية‏ والمالية .

وأشار المهندس وردة إلى أن عدد عناصر المديرية هو 51 عاملا معظمهم مهندسون ومساعدو مهندسين بما في ذلك دائرة التراخيص بحسياء التي يداوم فيها 7 عناصر .

ضبوط ومخالفات

وتابع : بلغ عدد المنشآت الصناعية القائمة في حمص حتى نهاية عام 2017 ‏(2133) منشأة موزعة كالتالي : صناعات غذائية (644) منشأة , كيميائية (244) , نسيجية (659) منشأة , هندسية (586) , إضافة إلى (218) منشأة في مدينة حسياء الصناعية, وهي صناعات غذائية (70) منشأة , وصناعات كيميائية (73) منشأة ,ونسيجية (11) منشأة, وهندسية 64 منشأة ,إضافة إلى (15) ألف منشأة حرفية «معمل بلوك وخشب و..غيرها».

وبيّن أن عناصر الرقابة الصناعية في مديرية الصناعة نظمت 22 ضبطاً بحق مخالفين خلال جولاتها الرقابية على المنشآت الصناعية والحرفية بالمحافظة خلال العام الماضي ,وتمت إحالتها إلى النيابة العامة أصولا، وأشار أنه لا تتم محاسبة أصحاب المعامل المتضررة والمتوقفة عن العمل , وتسعى المديرية وبالتعاون مع الجهات المعنية لإعادة الحيوية لها من خلال ترميم بعض الآلات أو شراء آلات جديدة للإقلاع من جديد مع المحافظة على مزايا الترخيص الخاص بتلك المعامل , مبيناً أن المؤشرات إيجابية جداً بالواقع الصناعي بحمص والمتوقع إقبال الصناعيين على إنشاء منشآت جديدة خلال الفترة المقبلة.

عودة معظمهم

وأضاف: قامت المديرية في نهاية العام الماضي بإعادة معظم الصناعيين الذين خرجوا من المنطقة الصناعية على طريق حماة والذين توزعوا في أحياء المدينة إلى المنطقة الصناعية بعد تأمين الخدمات الأساسية والبنى التحتية اللازمة لبدء العمل وقد عاد 60% منهم .

وفيما يخص تعويض المنشآت التي تعرضت للأضرار خلال فترة الحرب قال : كل المنشآت تعرضت لأضرار , ويبلغ عدد المنشآت التي تقدم أصحابها للتعويض لا يتجاوز ال 100 منشأة في مختلف أرجاء المحافظة , وهناك منشآت بعيدة « تدمر – السخنة» لم يتقدم أصحابها بطلبات تعويض ولم تنظم ضبوط تثبت واقعة التخريب أو السرقة أو التدمير .

مع الإشارة إلى أن معظم منشآت القطاع العام استمرت بعملها دون توقف خلال الحرب بالرغم من الظروف السيئة التي أحاطت بها كونها تقع قرب المناطق الساخنة.

منح قروض

وبالنسبة للمنشآت الخاصة فقد كان تأثير الحرب عليها كبيراً , حيث خرجت معظمها عن الخدمة بسبب سيطرة الإرهابيين على المناطق التي تتواجد فيها , وتدمير وسرقة الكثير من التجهيزات في مناطق أخرى .وحاليا عادت عجلة الصناعة للإقلاع في كثير من المنشآت التي توقفت خلال الحرب , حيث تجاوزت نسبة المنشآت العاملة في محافظة حمص 75% باستثناء الريف الشمالي .

وأضاف : هناك الكثير من الصعوبات التي تعيق عمل بعض المنشآت الخاصة منها : النقص في تمويل المنشآت بسبب الظروف المادية السيئة والنقص في التجهيزات نتيجة السرقة أو تدمير بعض الآلات , إضافة إلى هجرة الكثير من الصناعيين سواء إلى المحافظات الأخرى أو إلى خارج القطر, إضافة إلى التقنين الجائر في الكهرباء وعدم توفر المشتقات النفطية في أغلب الأوقات وقد تحسن الواقع وأصبح أفضل في 2017 .

وهناك العديد من المقترحات لتفعيل عودة هذه المنشآت وإقلاعها من جديد ولا سيما في مرحلة إعادة الإعمار والاستفادة من هذه الإمكانيات بالشكل الأفضل عن طريق منح قروض للمنشآت المتعثرة وإمكانية ترميم النقص الحاصل في تجهيزاتها , وإعفاء التجمعات الصناعية من التقنين الجائر للكهرباء , وتأمين المشتقات النفطية بسعر مقبول , والإسراع بإنشاء مناطق صناعية جديدة في كافة المناطق بالمحافظة , وتفعيل المحاور التنموية في كافة المناطق , ومعالجة الأمور المالية من تأمينات وضريبة دخل للمنشآت المتعثرة والتي كانت تقع ضمن المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون .

النافذة الواحدة

وأضاف :اتخذت المديرية مجموعة من الإجراءات في سبيل تبسيط العمل واختصار الزمن اللازم لانجاز معاملات الصناعيين والحرفيين, ويمكننا القول: إن الزمن الذي تستغرقه أية معاملة في المديرية أصبح زمناً قياسياً لا يتجاوز الساعة كحد أقصى بدءاً من تسجيلها في الديوان واستلام الموظف لها وانتهاء باستلام الصناعي لمعاملته , مشيراً إلى أنه لا حاجة لمراجعة الصناعي لوزارة الصناعة على الإطلاق , فقد اعتمدت المديرية مبدأ النافذة الواحدة ومنح الصلاحيات والتفويضات لرؤساء الدوائر المعنية بكل ما يتعلق بالخدمات المقدمة للصناعيين .

صعوبات ومقترحات

يعاني العاملون في المديرية صعوبة الوصول للعمل خاصة المهجرين وسكان الريف فأغلبهم يسكنون في أماكن بعيدة , أو خارج المحافظة , مما يزيد العبء المادي عليهم نتيجة ارتفاع الأجور وتغيير طرق الوصول إلى مكان العمل , إضافة إلى أن المديرية تشغل مقراً مؤقتاً في معهد الصناعات التطبيقية وهي غير مجهزة بكل بمستلزمات العمل المطلوبة , وهناك نقص في عدد العاملين ممن هم في عمر 30 – 45 مما يسبب خللا في الهرم الوظيفي سيظهر مستقبلا .

ونقترح التنسيق مع المحافظة لتأمين باص نقل للعاملين على نفس خط السير وضمن الوحدات الإدارية المتقاربة , وتأمين النقص الحاصل في عدد العمال من الفئات 4-5 عن طريق التعاقد, إضافة إلى مناقشة صرف تعويض للعاملين المسافرين يوميا مسافة تزيد عن 50 كم .

ختاماً

من الجور أن نحمل الأزمة وتبعاتها وزر التدهور في القطاع الصناعي السوري، فقد عانى هذا القطاع في سنوات ما قبل الحرب مجموعة من الصعوبات والمعوقات يمكن تلخيصها في غياب الرؤى والاستراتيجيات الحقيقية سواء لجهة إدارته أو لجهة تشغيله, فقد غلبت عليه الكثير من المشكلات الإدارية والتمويلية وزيادة النفقات وضعف هياكل البنى التركيبية فيه , وغياب التكامل بين قطاعاته الرئيسية العام والخاص مع صغر حجم منشآت القطاع الخاص وضعف حجم الاستثمارات المنفذة فيه وسيطرة الصناعات ذات الطابع الاستهلاكي عليه, وافتقاره للإدارات الحديثة وللتكنولوجيا المتطورة وقدم وترهل الآلات والمعدات المستخدمة فيه وخاصة في القطاع العام أمام صعوبات استبدالها وتجديدها واعتماد سياسة كثافة العمل على حساب كثافة رأس المال بسبب سياسة أجور اليد العاملة الرخيصة مما أدى إلى ضعف تكنولوجيا الإنتاج وبالتالي صعوبة المنافسة مع المنتجات المستوردة إلى السوق المحلية, و رفع أسعار نواقل الطاقة ومصادرها (الكهرباء، المازوت، الفيول) الأمر الذي تسبب في رفع كلف الإنتاج والنقل وتسبب في ضعف القدرة التنافسية للمنتج السوري في الأسواق الخارجية الإقليمية منها والدولية.