بدت في الأمس القريب خشبة مسرح مديرية الثقافة باللاذقية , سماء حافلة بنجوم و أقمار , توهج ضياء و فرحا و سلاما , و تضج بخفقات قلوب صغيرة نقية محملة رحيقا و حبا , و تشرق بوجوه سكنتها الابتسامة , بشفاه تقبل وجنات الكون , و تشدو بأناشيد أجدادها ( حطم سيفك .. و احمل معولك .. و لنزرع السلام و المحبة في الأرض .. ) ..

( من قلبي سلام ) عنوان فعالية أقامها فريق الثقافة لبناء المهارات في اللاذقية , بمناسبة اليوم العالمي للسلام , حيث أينعت ورود بعبيرها و رونقها , و حلقت فراشات في أطراف المسرح و حدائقه ولونت ستائره و هواءه بالفرح و الأمل و الجمال ..

غنوا و رقصوا , غردوا و تمايلت أجسادهم الغضة مع عذوبة الألحان , عزفوا و نسجوا من مفردات لغتهم رسائل محبة و سلام , فكان الإنجاز و الإبداع , و هنا تعالت أصوات الحضور و ازداد تصفيقهم , ليترك أطفالهم مقاعدهم , و تشاركوا أطفال الفريق و مدربيهم المسرح و الدار , فاكتنزت ساحة المكان فرحا و طربا , و سلاما بدأ بابتسامة ..

_ غنى أطفال الكورال الصغار ( أعطونا الطفولة .. أعطونا السلام ) مع مدربيهم حسام فرفور و محمد الشيخ و سعيد غنايمي ..

و غنى شباب صغار من فرقة الكورال اليافعين ( يا أطفال العالم .. ) , و في فقرة نقوش أوغاريتية و لعبة الشموع التي أتت على أن نمنح من حزمة نورنا نورا للآخرين , كما الشمس تغطي بوهجها و دفئها و نورها وجه الأرض و العالمين ..

و مجموعتين من الشباب تنافسوا على نسج مقولات لمفكرين و قادة و مبدعين منهم الفنان نضال سيجري رحمه الله , نادى للسلام من بلده الموجوع ( وطني مجروح , و أنا أنزف , خانتني حنجرتي فاقتلعتها , أرجوكم لا تخونوا وطنكم .. ) , و عرض تسجيل للشاعر الكبير محمود درويش , و نذكر بعض ما جاء من قصيدته :

         و أنت تخوض حروبك .. فكر بغيرك

                                        لا تنسى من دق دروب السماء

         و أنت تنام و تحصي الكواكب .. فكر بغيرك

                                         ثمة من لم يجد حيزا للمنام

       و أنت تفكر بغيرك البعيد .. فكر بنفسك

                                         و قل ليتني شمعة في الظلام

و فرقة الفنون الشعبية قدمت رقصة تعبيرية مع خلفية لمشاهد و صور فوتوغرافية عما يجري من آلام و دمار و صرخات أطفال ..

أما الطفلة رغد شمس الدين درويش فقد ألقت بالشعر المحكي قصيدتين ( أطفال السلام _ نداء الطفولة ) , و في نهاية الفعالية أطربتنا فرقة الكورال , و أخمدت ما في أفئدتنا و نفوسنا من نار الحرب ليحل مكانها الارتياح و السلام .. بأغنية ( أومن .. للسيدة فيروز ) ...

أومن أن القلب الملقى في الأحزان .. يلقى الحنان .. كلي إيمان .. إيمان

أومن أن خلف الريح الهوجاء .. شفاه تتلو الصلاة

أومن أن في صمت الكون المقفل .. من يصغي لي

إني إذ ترنو عيناي للسماء .. تصفو الأضواء .. تعلو الألحان .. كلي إيمان .. إيمان

و على هامش الفعالية كانت لنا اللقاءات الآتية :

السيدة آمال طوبال , شكرت بداية مدير الثقافة في اللاذقية الأستاذ مجد صارم على تعاونه و دعمه لفريق المهارات كما شكرت الأستاذ فواز سيجري و شباب مبادرون و المشرفين و المدربين على عملهم و حسن صنيعهم , و ما نجاح أطفالنا اليوم ( أطفال شهداء و مراكز إيواء و منكوبين ) إلا ثمرة طيبة من تفاعل الأطفال مع مشرفيهم و هو دليل واضح أنهم تلقوا رعاية و محبة مدربيهم , وبعدها حدثتنا عن النشاط و مناسبته , فقالت :

السلام يسكننا قلبنا و روحا , فنحن بلد محب يعشق الحياة و السكينة و السلام , و اليوم الذي يقوم فيه عيد السلام أردنا فيه أن نحياه بسلام مع أطفالنا , و نبعث رسائلنا مغلفة بالمحبة للعالم كله , ليتركونا نعيش بهدوء و سلام , فكانت ضمن فعاليتنا لأيام أربعة بطاقات دعوة شكلت بعبارات السلام و زينت بورود و فراشات و نجوم من الأوريغامي , كما كان لأطفال المتضررين من الحرب الموجودين في المدينة الرياضية نصيب من نشاطنا و ألعابنا التفاعلية و فنوننا , و أيضا ألعاب و حفل فني في مركز إيواء حارم , و الختام كان بمهرجان هذا اليوم و الذي احتضن الكثير من النشاطات الفنية و الغنائية كما ترين ..

الهدف من النشاط مشاركة الأطفال في هذا العيد العالمي , و مشاركتنا لأطفالنا بنتاجهم الفني , و تبادل الخبرات و المعلومات و زيادة مسافات التقائهم و تقاربهم من بعضهم كأفراد أسرة كبيرة يغارون على بعضهم لتزداد صلات الصداقة و التعارف فهو ما يجعلهم أكثر تماسكا و قوة .. و من جهة أخرى نجعل أطفالنا أقوياء واثقين من أنفسهم و قادرين على تحمل المسؤوليات و التصدي للمشاكل و مواجهة العقبات ..

و عن أهم النشاطات التي قام بها فريق الثقافة لبناء المهارات قالت :

شاركنا في الكثير من المنسبات العامة و الخاصة و أعياد وطننا الحبيب , حيث كان مهرجاننا ( وطننا نحميه و نستحق العيش فيه ) بمناسبة يوم التطوع العالمي ففريقنا يرتكز في عمله على العمل التطوعي و الجماعي و هو ما آثر في نجاحنا و أعاد على الجميع خيرا و ثمرا , و نحن نشجع العمل الطوعي كما نعمل على التشبيك مع المجموعات الأخرى التي تسعى لخير الوطن و ناسه , كما قمنا مع أطفالنا بزرع أكثر من مئة شجرة في الملة التي أطلقها وزير الثقافة بمناسبة عيد الشجرة و غيرها الكثير ..

و اختتمت بقولها :لطالما نردد معا مقولة ( اجعل من العقبات التي تتعثر بها سلما ترتقي عليه ) الذي يوقد شعلة الأمل و جذوة الحياة , نسعى و كلنا حلم و فرح لتحسين أوضاعهم المادية و النفسية و الصحية و نقلهم من دورهم السلبي كضحايا و متضررين إلى دور إيجابي فاعل و تنمية شعورهم بالمسؤولية تجاه أنفسهم و عائلاتهم و وطنهم .

مريم جمعة من شباب مبادرون , طالبة جامعية :

أكدت على أنهم شباب متطوعين انطلقوا من ذاتهم لخدمة وطنهم و أهلهم و أطفالهم , و مساعدتهم في السراء و الضراء , و أشارت إلى أهم نشاط في برامجهم الثقافية و هو أفلوطين الذي يرتكز على تشغيل العقل و زيادة مخزون الفكر و الثقافة , وقالت : نشارك اليوم بحملة من قلبي سلام , حيث شاركت فرقة الكورال بأغنية ( أعطونا الطفولة ) و الباليه و لعبة الجوكر و ركزنا على مقولة ابن بلدنا الفنان نضال سيجري في السلام , ..

الطفلة هديل الجدي , ابنة الشهيد فهيم , مهجرة من الشام القابون , جاءت و عائلتها ( أخواتها الأربعة و أخ و أم ) إلى ذويها و أقربائها تنشد السلم و الأمان , قالت و الفرح يغمرها بعد أن غنت ( غنوا معنا ) : أتردد إلى المركز منذ سنة تقريبا , و لم أكن لأتغيب عن أي درس أو نشاط إلا أيام المدرسة و الدوام , فزت بجائزة القصة التي شاركت بها ( دمعة و ابتسامة ) كما فازت أختي هلا بالمقالة و قد شاركت اليوم بهذا المهرجان , أحب العمل مع الجماعة و أشعر بجودة و قيمة عملي , الذي أقدمه هدية لأغلى الناس والدي و أبطال جيشنا البواسل الذين يؤمنون بالنصر أو الشهادة ..

المدربة بهية ياسين _ دبلوم تربية , أشارت إلى أنها اليوم في غاية السعادة لما حققته من إنجاز , فقالت :

لطالما رغبت بتدريس الأطفال , و فريق الثقافة منحني هذه الفرصة , و أقضي معظم ساعات نهاري في المراكز الثقافية الموزعة في الأرياف و بين جدران مراكز الإيواء , أعلم الأطفال و نوزع الأدوار ( الأوريغامي , ألعاب جماعية , سرد قصصي , كروشيه , .. ) و في كل يوم لنا فيه جديد .

المدربة بوسي علي _ أدب فرنسي و دبلوم تربوي , أكدت على أن انضمامها لفريق الثقافة هو أجمل شيء عملته في حياتها , حيث بدأت العمل مع الفريق منذ النشاط الأول لهم أي منذ خمس سنوات تقريبا , و قالت :

بدأت العمل بتدريس طلاب الشهادات ( تاسع و بكالوريا ) أولاد شهداء و متضررين , بالإضافة إلى الألعاب اللغوية , بعدها بت أقف مكان رفيقتي إذا ما غابت , أعلم الأطفال ما كانت تعلمهم حتى الفنون و الأشغال , و اليوم اقضي مع أطفال المدينة الرياضية ساعات في الرياضة البدنية و هي رياضة الذهن و الفكر , بالإضافة إلى أعمال الكروشيه , وطننا جميل بشعبه و عظمة قائده و جيشه , وطننا يسكن فينا و يساكن منا الروح و القلب