لم يأتِ من فراغٍ هذا الإبداع الذي عشت عوالمه في ملتقى الهايكو الأول في اللاذقية, يوم الخميس الواقع في13/ 10/2016م, إنما جاء حصيلة تفاعلٍ ثقافيٍّ ناضجٍ قدَّم تجارب سوريةً مهمةً في مسيرة الشعر, ولست بصدد الحديث عن مجريات الملتقى, وبرنامجه, هنا, إنما أقدٍّم في هذه السطور قراءةً تحليليةً تقف على بعض النصوص المقدَّمة في الملتقى محاولاً استكشاف بعض جمالياتها, مع التنبه على الجمع بين مبادئ الهايكو الياباني المنشأ, وتنظيراته, وتجلياتها في نصوص الهايكو السورية, ورصد مكامن خصوصية التجربة, وحدس الشاعر المرتبط بمجتمعه, ومرجعياته, ومخزونه الجمعي. وعليه, فإن الدراسة, هنا, تعتمد على الذائقة الجمالية المتسلحة ببعدٍ معرفيٍّ يسعف (المتلقي/ الدارس) في التأتِّي على أبعاد التجربة, قدر المستطاع, مع التأمُّل في النصوص القائمة أساساً على التأمُّل الجمالي, لنكون أمام لحظة الهايكو التي تظهر فيها الكلمات كأحداثٍ متزامنةٍ, فتستطيع أن تخلق التجربة, وهذه التجربة تتجسد بالكلمات, ليصبحا كلّاً واحداً بعيداً عن الإحساس بالزمن, يقول علي ديوب:

مصباحٌ متأرجحٌ

على الجدار

معركة ظلال

نجد أن الزمن, هنا, ليس متعاقباً, على الرغم من الحركة المتجسدة من خلال: (متأرجح, معركة), لكن (الجدار) ساعد في توقيف المشهد عند لحظةٍ واحدةٍ تتَّحد فيها الأشياء, وتتَّحد الذات في الكون, وهذا ما نلحظه في قول الشاعر نفسه أيضاَ:

منتصف الظهيرة-

ظلي

يغيب فيَّ

التَّوحد بين الظلِّ, والذات الشاعرة في(منتصف الظهيرة) يتوازى من ناحيةٍ مع (مصباح) الذي يقابل (منتصف الظهيرة) في الإضاءة, لكن(منتصف الظيهرة) يقابل(الجدار) في تجميد اللحظة, وتثبيت المشهد المتدفق في الحركة, وهذه الحركة الخارجية هي اتِّحادٌ مع حركةٍ داخليةٍ عبَّرعنها المشهد. ان حقيقة الشعور الموسمي جانبٌ مهمٌّ من جوانب التجربة في الهايكو, وهذا مايصرُّ عليه (أوتسوجي), إذ يرى أن الإحساس بالموسم جزءٌ من تجربةالهايكو, ومتعة الهايكو تكمن في الموضوعة الموسمية التي هي الشعور الذي يَبرز من الرؤية المنزَّهة عن الغرض, وامتداح نبل الطبيعة الخالية من الزخرف, فنجد هذا متجلياً في نصوصٍ عدةٍ أُلقِيت في الملتقى, منها نص ديميتري إفييرينيوس الذي يضعنا في زمن محدد داخل الفصل ليلتقط صورة طبيعية عابرة يتلقاها بتجربته الخاصة, وتمثَّلها مشهداً متكاملاً لنهايتين, فالغروب يسحب الضوء وفي هذا مؤشرٌ لأفوله, والضوء في انسحابه يحزُّ رؤوس العشب. ونرى أن هذا الانسجام بين عناصر اللوحة يدرك جمالياً في طبيعته الناجزة مع التأمل في مشهديته النصية:

غروبٌ خريفيٌّ-

الضوء يحزُّ

رؤوس العشب

وكذلك تتجلى الموضوعة الموسمية في نص رئام الشمالي الذي تخاطب فيه الخريف معبرةً عن إرادة رائحته, وهذا يؤكد مفهوم استكناه الأشياء والتعبيرعن كينونتها في التوحد معها, وفهم خصوصياتها, واحتياجاتها, وأحاسيسها :

شيءٌ ما

يريد أن يكون خمراً-

رائحتك أيها الخريف

والنصان يختلفان في الحدس, لكنهما يحققان (الموضوعة الموسمية, وتلقِّي التجربة). ويشكل المكان عنصراً مهماً في خاصية الهايكو, ويتناغم معها كما يتناغم مع عنصر الموسم, تقول رانيا ميكائيل:

(1) حافٍ على طريق المعبد-

ريحٌ تردُّ الثوب خلفاً

(2) المدفن المقبب-

دورةٌ كاملةٌ

قبس الجذوة المضيئة

(3) داخل المعبد-

يضيء وجوههم فقط

جمر المبخرة

في هذه اللوحات الثلاث توالياتٌ للحظاتٍ مشهديةٍ في سيناريو تتابعي بين(طريق المعبد), و(المدفن المقبب), (داخل المعبد). الأمكنة متعددة لكنها متكاملة في بعدٍ كنائسيٍّ, فالمفردات المكانية تلتحم مع الزمن, ومع المكان والزمن يتكامل العنصرالثالث (الموضوع), فجمرالمبخرة يضيء وجوههم فقط, وهذه تقريريةٌ مباشرةٌ تقدِّم رسالةً واضحةً, وهي أن القلوب لم يمسسها الضوء, وهذا الطقس التعبدي لم ينرها, إنه توصيفٌ لحركة الأجساد الخالية نفوسُها من تطهُّر قلوبها. والعلاقة بين (الموضوع, المكان, الزمان) ضروريةٌ في الهايكو, ويجب أن تظهر العناصر الثلاثة إلى الوجود في كلٍّ مُوَحَّدٍ, فيحاول الشاعر خلق نوعٍ من العلاقة التي تظهر من الداخل بصدق, والتي هي قوةٌ عضويةٌ تمسك بها في كلٍّ متناغم, هذه القوة تنبثق من بين هذه العناصر, يقول شفيق درويش:

حبَّة الفطر

ترفع الضباب عن الأرض

قليلاً

ونشير, هنا, أن (الضباب) هو إشارة الى الموضوعة الموسمية, فيتَّحد مع المكان محتفياً بالطبيعة التي هي من أهم مكونات مشهد الهايكو, ويتكامل الزمان والمكان مع الموضوع في رسم المشهد. إن قراءةً سريعةً لاتفي لدراسة جوانب الهايكو, وخصوصياته, وجمالياته, وتنظيراته في الشكل, والمضمون؛ ولهذا سنقف عند بعض النصوص التي وجدنا ارتباطها المباشر مع واقع الشاعر السوري في ضوء بعدها السيسوسيكولوجي, وتجربته المرتبطة بالحدث عبر الحدس المتَّحد مع الواقع, والممتد فيه رؤيةً, ومعايشةً, يقول أسامة أسعد:

الزمن في النص مُغَّيب, لكنه يدل على الحاضر من خلال (تطير), ومنظار القناص يشير إلى (منظوره, فكره...), وإلى مكان الحرب/ (الواقع). إذاً, هو تجلٍّ للعناصر بفنيةٍ متميزةٍ, وكذلك تقف عبير قرحيلي على هذه الموضوعة, تقول:

مدخل القرية

لاحواجز إلا قشور الجوز-

أعبر بلا هوية

وواضحٌ أن المكان هو (مدخل القرية), و(أعبر) دالةً على الحاضر, والموضوع يشير إلى واقع الشاعرة التي تعاني بلادها من فقد الأمان في ظل الحرب, فيأتي الحلم في الخلاص من هذه الحال عبر (أعبر بلا هوية) ليكون تجاوز الواقع بالحلم بديلاً مرتجى فـ (بلا هوية) تنسجم مع (بلا حواجز), والواقع البديل ملاذٌ للشاعرة التي شكلت مفرداتها وفق المكوِّن الحلمي. والنظرة الإنسانية لم تغب عن النصوص, إذ تقدم ديما ناصر صوراً تجسد العلاقة بين الأم والطفل, فندخل معها إلى النص كقراءٍ ضمنيين من خلال ياء المتكلم في (أمي):

سراج,

من أثر أصابع أمي

يتسرب الضوء

ليكون أثر أصابعها سراجاً يبث الضوء في الروح, وهذه الأم جرح كفها مطيًّب بالآس:

أثرٌ من غصن الآس-

جرح

على قوس كفها

وهنا, ننظر إلى الطبيعة نظرة حياةٍ, وعملٍ, وزمنٍ ملؤه العطاء, فكلمة (قوس) توحي بالتقوُّس بفعل الزمن, والكدح, وإفناء الجسد كدّاً. وتتلازم اللوحتان السابقتان في تشكيل بنية مشهد رائع يجمع بين الضوء في الأولى, ويد الأم في الثانية, لنصل إلى قمة الإضاءة, والإشراق في قول الشاعرة:

حصته من الضوء

يد أمه

الطفل الضرير

هنا, يتنحى الزمان, والمكان لتشرق لحظة الهايكو اللامعة, فيعيش المتلقي روعة الدهشة الجمالية الفاعلة, وتجمد اللحظة. عند هذا الانبثاق ندرك ماهية الموضوع في وحدته, وتجانسه في ذاته ولذاته. وفي سياق قريب من الحالة المستمدة من الطبيعة الإنسانية, وتوحدها مع الطبيعة نتلقَّى تجربة جمالية تعزِّز ماسبق ذكره في هذا المجال, فنجد صورة (الجدة) في قول رامز طويلة:

حبة زبيب..

حلاوةٌ وتجاعيد-

تطل جدتي

النص لايحتاج إلى شرح, فالمقاربة لاشرخ فيها, إنما توحِّد بين الصورتين, والإشراق الإنساني واضح, إذ انتقى الشاعر صورة الزبيب الذي تكثف التجاعيد حلاوته بمهارة أدائية متميزة تمهد لصورة الجدة, فتأتي في خاتمة اللوحة, وقد هيأ لها الموقف الجمالي في لحظةٍ زمانيةٍ مكثَّفة. حقيقةً, هناك نصوصٌ كثيرة أغرتنا بتحليلها, لكن مجال القراءة, هنا, لايكفي لدراستها, لنضع في الذهن العمل على دراستها دراسةً معمَّقةً نفردها لخصوصية التجربة, وإضافات الشعراء إلى قصيدة الهايكو, وخصائصها البنائية الكبرى, والصغرى في سياق معرفيٍّ له عالمه الفني الخاص.