ما بين طلوع الشمس ومغربها ، ترسم الحكايا ظلال لأرواحنا .. وتباشر بقص رؤى حيرى تارة ، ومقصودة تارة أخرى ، تعانق في كل ميعاد لقاء مع شذى في أنين عابر ، وحزن باق ، وربما فرح لا يمكث كثيراً يغادر مسرعاً، ويبقى لكل حكاية وطن وأرض يسير عليها أصحابها يلفحون الظلال في أغنية تؤطر كل الأحلام وتنشد على جنبات الدروب عبق يتبدل مع النهارات بسويعات ليرسم للقمر شكل الليالي

من ليل طويل مداه سنوات ماضية مرت على سورية ، غيرت صباحاتنا ولامس الألم رداءات شتى في زاوية منها كان على خشبة المسرح في اللاذقية في عمل راق صاغ مع شمسنا نهارات مشبعة بليلها وخط على تواليها جل الحكاية

( الفزاعة ) هي الحكاية الحاضرة منذ الخليقة بصراع بين الخير والشر في جوانبه المتعددة صراع تاه فيه الإنسان بين سلطة استبدادية و دينية واقتصادية واجتماعية ، تتداخل مقوماتها لتخلق طغيان هنا وأمل هناك ..

( الفزاعة ) عمل مسرحي إعداد المخرج لؤي شانا مأخوذ عن نص ( من المكمن ) للكاتب التركي ( جاهيد قاطاي ) عمل فيه على إعداد بطريقة تعكس واقع الحياة في سورية في ظل ما تتعرض له ، يستغرق هذا العرض مدة ال دقيقة تخللته فقرات راقصة تعبيرية تتمازج مع فكرة العمل وتضيف إليه أبعاداً أخرى مع صبغة جمالية شفافة وليكون التدريب ل كاتيا ديبان وليكون لأشخاص هذا العمل ممثلا بالفنانين ( فايز صبوح _ نبيل مريش _ محمد أبو طه _ غياث سليمة _خليل غصن ) نبض جميل لامس الجراح حد التمازج مع جمهور لافت صفق طويلاً لهذا العرض المميز

( الفزاعة ) هو عرض مسرحي يطرح عدة مواقف فكرية وفلسفية حول الإنسان في تجلياته العامة والخاصة ويوظف مدخل الخوف والحيرة التي تسيطر على ميكانزمات الحياة اليومية وتخدع الإنسان في أفكاره وقناعاته إلى أن يتبعه في معرفة أصل الخوف ومصيره في البحث عن الذات التي استعصى انتقادها وصيانتها لتخلق واقع أليم شابه الواقع السوري في سنواته الماضية ، كانت منه باستغلال الدين ليصير سلطة قمعية ضد من يعارض الأطماع السلطوية المتنوعة

حول هذا العمل المهم مان لنا حوارات جانبية بعد العرض حول ما أثاره هذا العرض من تساؤلات وكانت البداية مع مخرج العمل ومعده المخرج المسرحي ( لؤي شانا ) الذي تحدث لنا عن هذا العمل فقال : ( النص هو إعداد لنص أساسي اسمه ( من المكمن ) لكاتب تركي من عام أضفت عليه المثير من الأفكار وأسميناه الفزاعة وأنا تعبت جداً في البحث عن نص يشابه هذا الواقع لدرجة قرأت فيها حوالي ال نص عربي وأجنبي حتى استقريت على هذا النص الذي يحمل في طياته مشروع فكري تنويري ، وأي عمل لا يحمل بعداً تنويرياً تثقيفياً لا داع له

س_ بين فزاعتين عالميتين سياسية ودينية ..ماذا يقول هذا العمل ؟

ج_ يقول هذا العمل أن من أشعل النار سيحترق بها ومن حرض هؤلاء البسطاء وأدار دفة اللعب سوف يحترق هو وسيدفع الثمن لأن خلاصنا بوعينا الثابت وفكرنا النقدي الذي هو خط تنويري تميزت به هذه الأرض التي لن تقبل إلا الأهداف التي تحاكي العقول التي بنتها .

س_ خلال نضال عربي مليء بالهزائم النفسية و المادية، ماذا تبقى للشخصية العربية كي تقف وتواجه ؟

ج_ أنا شخصياً أؤمن بالحضارة السورية وقد مر على هذه المنطقة محطات ضعف ومحطات قوة لكن بلاد الشام هذه المنطقة بتاريخها هي منطقة تنويرية عبر التاريخ فهي أرض الحضارة الكنعانية هنا مهدها وهي التي نشرت للعالم الحضارة ، لذلك ستبقى كذلك وستلفظ كل غريب عنها

س_ ( الفزاعة ) تحاكي الإنسان الخائف التائه .. هل يمكن لهذا الإنسان المفزوع أن يحلم أو أن يكون عنده ما تبقى من أمنية ؟

ج_ دائما هناك الأمل هو الخط ضمن هذا الخوف ، هناك حلم بأن نعيد صياغة الواقع ونبشر ونصنع الغد الأفضل الغد الأفضل ومن قمة الأزمة تولد الحياة الجديدة .

س_ رغم قساوة الظرف من برد وانقطاع الكهرباء وضغوط أخرى كان الحضور كثيفاً، كيف يمكن أن تترجمه ؟

هذا الجمهور نوعي دائما أحبه جداً ، هو متابع وذواق لدرجة أنه يعرف المشروع الذي يحمل روحه ، يتابع ويعرف نوعية العرض الذي يحترم ذوقه وثقافته وأنا أعتز بهذا الجمهور المثقف والواعي

* ومع الفنان المتميز والذي تألق أكثر في هذا الدور الفنان والمخرج فايز صبوح

س _ ( الحرب هي الحرب ) ..مقولة على لسان إحدى الشخصيات ,,

لماذا لم تتغير هذه الحرب بداخلنا ومع الآخر ؟

1-فعل الحرب وما تحفره بداخلنا عميقاً لا يزول بزوال السبب بهذه السهولة ..كل شيء بحاجة لزمن للنضوج حتى ينتهي موسمه ونبرأ منه ..وهذا طبعاً يتوقف علي وعلى الاخر

س _ تحريض العقول البسيطة وأنت تلعب دور هذا الشخص البسيط

ماهي المبررات التي تستغل بها ؟ ولماذا لم تنجح معك هنا في هذا العمل ؟

2-أفيون الشعوب هو الدين والجنس والسياسة.. ولكل فئة من المجتمع وتر يضرب عليه ويستغل لأقصى حد لغسل العقول والضغط علينا من قبل فئة معينة لتحقيق غاياتها الدنيئة وسبب فشل الآغا هو باعتقادي ما فطرنا عليه من طيبة ومحبة وصدق وتربية صالحة فحال دون تحقيق مآرب الآغا بالرغم من الضغط عليه بلقمة عيشه

س _ ما هو الفاصل لهذا المواطن المفزوع من سلطات متعددة ليعيد تشكيل نفسه ويأخذ حقه ؟

3-الإرادة والمواجهة وتفعيل دور العقل لمحاربة خفافيش الظلام

س _ وردت على لسان إحدى شخصيات المسرحية مقولة ( الصبح هذا المنفي من وطني ، )وأيضاً مقولة :   ( مازال في القلب بقايا أمنية )

في ظل ما يشهده بلدنا .. هل مازال في القلب أمنية تعيد للصباح إشراقه ؟

4-مازلنا ننام فقط لنحلم بصباحات تحمل ولو القليل من الأمل ..نحن شعب قوي بفكرنا وجيشنا وعلمنا ..فلابد أن يكون الأمل من صنعنا وهو زادنا وزوادنا

س _ هذا الجمهور الرائع اليوم ، رغم قساوة الظروف من البرد وانقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار يحتشد هنا ليرى مقولة المسرح ..كيف توصفه ؟

5-نحن وجدنا لأجله فالعرض المسرحي لا يكتمل إلا بجمهوره الحي ولا أبالغ إن قلت بأن جمهور اللاذقية هو من أجمل وأرقى جمهور مسرحي وذي فكر شاهق بجميع المجالات ..وهو عودنا دائماً على وجوده بالرغم من كل ما عصف بالبلاد من أزمات

* الفنان غياث سليمة بدور الآغا في هذا العرض حيث يكون صاحب السلطات والآمر الناهي الذي يتآمر مع رجل الدين لإخضاع أتباعه

س_ وأنت تلعب شخصية الآغا بسلطة مطلقة ، ماذا تقول هذه السلطة على خشبة المسرح اليوم ؟

ج_ الطمع بأشكاله المختلفة موجود منذ وجود الإنسان على الأرض وكانت ومازالت هذه الصراعات بأشكالها المختلفة تتابع عبر العصور بصورة أو بأخرى وبأشكال شتى ولا زال هناك ظالم ومظلوم على الصعيد الفردي وعلى صعيد الدول وكما يحدث الآن لبلدنا الحبيب سورية ، لكن هذا العمل يحث المواطن على أنه يجب أن يكون عنده رأي وتفكير يحرك داخله ليخلق موقف يغير به تفاصيل و أساسيات شتى وأنا كفنان وبقناعتي الشخصية ، هذا الآغا المتمثل بالعنجهية التي قد تحملها دول يحب وضع حد له على ما يقوم به من إفساد وخراب والتاريخ مليء بالنضالات ضد هذه القوى

س_ هناك درجات للطغيان ، إلى أي مدى يمكن أن يتحمل الإنسان ضغط يثقل عليه ؟

ج_ لكل شيء ظرف موضوعي ، فكل دول العالم فيها سلطات متباينة لكن التمادي بإخضاع وإذلال الأخرين هو ما قد يقلب الموازين ويعيد الدفة إلى اتجاهاتها الصحيحة ، هناك خيط رفيع بين الموت والحياة ، والإنسان الطبيعي كإبراهيم في هذه المسرحية عندما تزداد الضغوط فوق طاقته يعلي الصوت ليقاوم

*_ الفنان نبيل مربش الذي يمثل دور العائد من الخارج والذي لم يساوم على قناعاته الأخلاقية والوطنية ورفض الظلم حتى أفتي بقتله من شيخ الدين بأوامر من الآغا

س_ للحق دائماً كلمته .. قالها التاريخ والحاضر وسيقولها المستقبل ، ماذا قال إبراهيم اليوم في هذه المسرحية وماذا حمل من مفردات جديدة ؟

ج_ حملت هذه الشخصية كل ما يمكن أن تحمله عبر همومنا وأوجاعنا ضمن تفاصيلنا ويمكن أن يحمله وطن كامل بمجمله والذي يدعونا إلى المجابهة والمقاومة وأن نقاتل ليعود ما ضاع منا ، السكوت عن الحق ضياع وبطلان لذلك فالمجابهة ضرورية لاسترجاع ما قد خسرناه في أوقات ضعف .

س_ هذا المواطن ، الثابت ، المؤمن بأفكاره ، كم يلامس الشخصية العربية والمواطن العربي في هذا الظرف ؟

ج_ نحن نولد من جديد كل يوم ، وكل حين هناك جديد   هذه الروح المتجددة قد تستكين برهة ، وقد تتعرض لويلات ، التاريخ مليء بالهزائم والانتصارات ،لكن الحق هو الهدف المشروع لكل نضال   ونحن يجب أن نبقى واقعيين ، نأمل ولادة يومية تكتب النصر لنا ولأوطاننا .

* فؤاد البيلاني مدرب الرقص للفقرات الفنية واللوحات التي تخللت هذا العرض

س_ كيف للرقص أن يتماشى مع الفزع الداخلي والخارجي ؟

ج_ دائماً كان الرقص حالة تمازج مع الروح ، بأحزانها ،وآلامها وأفراحها ، بأول لوحة راقصة في هذا العرض عبارة عن اجتماع لتوصيف الشر وتوظيفه من خلال الدين ، كانت اللوحة الفنية الراقصة تعبر عن هذه الروح بحركات تعبيرية راقصة تحاكي العمل ومقولته أما اللوحة الراقصة الثانية فهي حلم إنسان بسيط في الحصول على كل ما يمكن أن يحصل عليه فاللوحة قدمت حالة الارتقاء والسعي البعيد المنال اما الرقصة الثالثة فتقول أن الحلم يمكن أن يصبح الدافع الأول في الأساس لبناء الإنسان كفكرة وواقع

س_ كيف يمكن أن يلتقي الحلم بالواقع بتعبير فني على خشبة المسرح ؟

ج_ الأمل هو الدافع لكل شيء ، وما بين الحلم والحقيقة فاصل قد يكون لحظات تكسر قوالب الموقف   هنا على خشبة المسرح مزجنا بين هذه الحالات وتداخلاتها وعبرنا عنها بطريقة تتماشى مع الفكرة المطروحة ومع الحاجة الطبيعية لنا للفن وتذوقه ، لذلك كان التنوع في هذه اللوحات المتداخلة مع النص لتخدم فكرته وتضيف بعداً فنياً روحياً راقياً

س_ هذه اللوحات كانت لوحات شفافة تحمل أشجان عدة ، متى سيقدر لهذه الأشجان أن تخلق عالمها بإيقاع فرح ؟

ج_ الأمل دائماً موجود ، والحق في النهاية هو المنتصر لأنه وكما يقال لا يصح إلا الصحيح ، نحن نأمل والأمل موجود وما بعد المعاناة فرح حقيقي يخلق إيقاعه بنفسه . لا وجود للرقص بدون أمل لأن الحلم هو طبع إنساني يرسم الحياة ويصيغها ..