لا يغرّنك ذاك الحي المهمل خدمياً، فلو علم ساكنوه على ماذا يمكثون، لفخروا أنهم من أبنائه، المهندس إبراهيم خيربك، ليس تحيّزاً لأنه كان رئيس دائرة آثار جبلة سابقاً أو مغالاة لأنه مدير آثار المحافظة، يخاطب أبناء حي الجبيبات في جبلة: (يا عزيزي، ساكن حي الجبيبات، أنت بمكان يحسدك عليه الكثير من الناس)
يفكّ لغز الكلام ما يردفه ابن الدائرة (وكم من مرّة قالها علماء الآثار الذين زاروا جبلة منذ سنوات: إنكم في هذه المدينة تسكنون فوق مدن وحضارات كاملة فاعتنوا بها)
يشرح خير بك: (الجبيبات اليوم حي كثيف بالسكان, من ماضيه اتخذ اسمه لكثرة المدافن الموجودة فيه والتي تشبه الآبار).
والجبيبات مفردها جب وتعني البئر, مدافنها مكشوفة إمّا بسبب الحت البحري, أو الاكتشاف العرضي في العقود الثلاثة الأخيرة بسبب حفريات فرضتها أعمال التوسع في البناء للمدينة الحديثة، ولذلك يجب على الساكنين في هذا الحي تقدير المكان التاريخي الذي يسكنونه, فكثير من الشعوب الأخرى تتمنى زيارة الآثار في أنحاء العالم, فكم من الروعة أن تسكن حيث مرّ الكثير من شعوب الأرض.


تقع مدافن الجبيبات في الجهة الشمالية الغربية من مدينة جبلة القديمة على بعد 500 م شمال غرب مسرح جبلة الروماني, حيث تبدأ من منطقة جب الطاحون وحتى خليج الرميلة, وهي بطول 1600 م وعرض حوالي 200م وقد بدأت أعمال التنقيب فيها منذ عام 1977. 
أعمال إنشائية قادت حفرياتها الطارئة إلى الاكتشاف, 155 مدفناً جماعياً وقبراً فردياً, اتصفت بأنها محفورة بالصخر أولاً و خالية من العناصر الزخرفية كمدافن تدمر أو مدافن جنوب سورية المعاصرة لها ثانياً.
يصحح م. خير بك الفكرة السائدة بأنّ المدافن تعود للفترة الفينيقية, لكن من خلال المكتشفات الأثرية فيها تبّين أن بداية الدفن كانت منذ النصف الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد (بداية العصر الهلنيستي) وحتى القرن الرابع الميلادي ( نهاية العصر الروماني ) بالرغم من وجود بعض القطع الأثرية والتي تعود لنهاية القرن الثامن وحتى الرابع قبل الميلاد (العصر الفينيقي) قد تم تحديد ثلاثة أنماط من الدفن في هذه المدافن الأوّل عبارة عن مدافن جماعية ذات مداخل, بشكل بئر ونسبتها 19%, والنمط الثاني عبارة عن مدافن جماعية ذات مداخل بشكل درج ونسبتها 23% والنمط الثالث هو قبور فردية نسبتها 58%.
أمّا توضّع القبور في هذه المدافن فإنه في بداية العصر الهلنيستي (نهاية القرن الرابع قبل الميلاد) وكان الدفن يتم ضمن قبور فردية محفورة في الصخر, متوضّعة بشكل منتظم باتجاه (شرق – غرب) والرأس دائماً باتجاه الشرق, حيث كانت تغطّى بثلاث أو أربع بلاطات حجرية وفقاً لحجم البلاطة, وفي بداية القرن الثالث قبل الميلاد, بدأ الدفن على شكل مدافن جماعية وغالباً كانت مداخلها تأخذ شكل بئر أو ممر ومن ثم في نهاية العصر الهلنيستي ظهرت المدافن ذات المداخل على شكل درج لتظهر بعدها المعازب العرضية , لكن لم تعرف أنماط الدفن في جبلة خلال العصر الهلنيستي التوابيت الفخارية, ولكن إنّ تمّ الكشف عن مثلها خلال هذه الفترة, فستكون من أنماط توابيت منطقة عمريت والتي تأخذ شكل آدمي لأن الدفن كان يتم ضمن القبر ومباشرة على الأرض.. لأوّل مرّة تحصل ( الآثار) على التنوع من الآثار في مدافن الحي العائدة لعصرين (هلنستي وفارسي ) ومن ستة مصادر دولية .
وكان قد تم الحصول على مجموعة متنوعة من الأثاث الجنائزي في هذه المدافن التي ظهرت في عام 2005 على الرغم من نهبها وتخريبها سابقاً, مثل: لسرج فخّارية تعود للعصر الروماني حملت عناصر زخرفية متنوعة تشمل جميع نواحي الحياة , وهي ذات مصادر متنوعة مثل قبرص, شمال أفريقيا, اليونان, إيطاليا إضافة لسرج تعود للعصر الهلنيستي مصنوعة بالقالب أو الدولاب وذات مصادر مختلفة من جزيرة رودوس وإفسوس( شمال غرب تركيا ) ومن اليونان (دلفي).
وعثر على دمية لامرأة عارية الصدر ( عشتار) مصنوعة من الطين المشوي وتعود للفترة الفارسية ( الفترة الفينيقية المتأخرة) , وكذلك مجموعة من الأزرار المصنوعة من الخشب ومجموعة كبيرة من رؤوس المغازل المصنوعة من حجر السياتيت, ومجموعة من القطع المصنوعة من عجينة الزجاج المختلفة الألوان كالأبيض والأخضر والأزرق والبني والمحمر وتأخذ شكل زر وكانت تستخدم لتزيين الملابس علماً أنه للمّرة الأولى يتم العثور على مثل هذه القطع في مدافن جبلة, وتستمر المفاجأت مع بعض اللقى المهمّة والمتميزة مثل: نقد ذهبي المقدوني وهو من القطع النادر في العالم عثر عليها مع بعض النقود الفضية التي تعود للإسكندر, وهي من صك نقود أرواد.
ومن بين اللقى أيضاً إناء فخّاري صغير على شكل حصان ومجموعة من الخرزات غالباً كانت تشكل قلادة وبعضها مصنوع من عجينة الزجاج, وبعضها من العقيق الأحمر المائل للبني.

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع