في رحلة مواكبة الصعاب وتحدي المخاطر يتابع عمالنا أعمالهم لتأمين لقمة العيش المغمسة بالعرق والدم، فهؤلاء العمال يقسو عليهم الواقع ويؤرقهم التعب المضني، وأحياناً يلفهم الخطر الصامت كونهم يتعرضون أثناء القيام ببعض الأعمال لأخطار يمكن أن تؤدي ممارستها إلى إلحاق أضرار بصحتهم أو بحياتهم وذلك نتيجة التعرض إلى عوامل وظروف خطرة في بيئة العمل وخصوصاً في المنشآت التي لا تطبق شروط الصحة والسلامة المهنية وتتصف طبيعة عملها بالشاقة وهي المهن التي سنتحدث عنها في موضوعنا اليوم.
ولمعرفة طبيعة عمل المشمولين بالمرسوم 346 لعام 2006 للأعمال الشاقة والخطرة والذي يضمن الإحالة على المعاش عند استكمال عدد سنوات العامل (15) عاماً فعلياً، وللاطلاع على واقع حالهم وكيفية حمايتهم وتأمينهم وتعويضهم كانت البداية مع الأطباء البشريين والعاملين في القطاع الصحي الذين هم على تماس مباشر مع دماء المرضى، ويمارسون عملهم في غرف العمليات الجراحية وأقسام التحاليل المخبرية والإشعاعية والأطباء الشرعيين والعناية المشددة والطوارئ.
خطورة تماس الجثث المتعفنة
د. رؤى صارم، مركز الطبابة الشرعية أوضحت: أن المركز الإداري هو مكان انطلاق عمل الأطباء الشرعيين ويوجد خمسة أطباء شرعيين فقط ثلاثة منهم يعملون في اللاذقية والقرداحة والحفة واثنين في جبلة، والعمل الذي يقوم به الطبيب الشرعي يتضمن شقين:
الأول: يخص الأحياء (حوادث السير – المشاجرات – الاعتداءات الجنسية) حيث يتم سحب عينات لإثبات DNA للأحياء من قبل الأطباء الشرعيين.
الثاني: وهو التعامل مع الجثث التي يمكن أن تنقل الأمراض السارية وفي حال تعفنها تسبب خطر التعرض لغازات التعفن وبالتالي لأمراض خطرة.
وأضافت بعد كل تشريح لأي جثة يحدث في معظم الأحيان التهاب للجهاز التنفسي رغم ارتداء القفازات والكمامات التي تكون في معظم الأحيان لا تفي بالغرض المطلوب، وخاصة في حالات تعفن الجثث فتلك الأدوات تقدم حماية بالحد الأدنى وهي غير مقبولة طبياً، وفي حالات التسمم لا يمكننا ارتداء الكمامات لأن الروائح تساعدنا على معرفة المواد المسببة للتسمم (رائحة واخذة) ولدينا معاناة حقيقية وهي قلة عدد الكادر الطبي الشرعي والعاملين في المركز.
وقد أجريت دراسة من قبل المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وتم تقديم صور للجهات المعنية ووزارة الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل، تضمنت الدراسة أن الطبيب الشرعي هو الذي يستعان بمعلوماته وخبرته الطبية الشرعية لخدمة العدالة عن طريق كشف غموض الجانب الطبي من القضايا المتعلقة بذلك والتي تعرض من قبل القضاء، فالطبيب شاهد فني محايد أمام الهيئة القضائية التي استدعته.
بالنسبة للتوصيات والمقترحات تضمنت توسيع القسم بشكل كامل أو بناء مبنى جديد للطبابة الشرعية وضرورة تزويده بتجهيزات مكتبية فنية، وتزويد المركز بجهاز نقال للجثث وجهاز تصوير أشعة خاصة وزيادة عدد العاملين، وتأمين مشرحة نظامية وعدد كافٍ من البرادات وتخصيص المنطقة الساحلية بمخابر سمية ووراثية (DNA) ومخابر خاصة بالمخدرات وقسم للأدلة الجنائية وتزويد القسم بسيارة خاصة لانتقال الأطباء الشرعيين والسعي لتحسين الوضع المادي للطبيب الشرعي بشكل قانوني ومنظم، وذلك لقاء المخاطر التي يتحملها في العمل وزيادة تعويضات تشريح الجثث وهي نحو 250 ليرة لكل جثة ورفع طبيعة العمل وتفعيل دور الهيئة العامة للطب الشرعي من ناحية تدريبهم وتأهيلهم وتحسين معيشتهم.
العمل المخبري والنتائج بثبات العكس:
السيد تمام أحمد رئيس شعبة الفنيين في المشفى الوطني أشار إلى أن عملهم يبدأ من مخبر سحب الدم حيث يأتي المريض بعد تحويله من قبل العيادات الخارجية، بالإضافة إلى ورود عينات دم من قسم الإسعاف وشعب المشفى المقبولين أصولاً، وممكن أن تضم العينة أمراضاً معدية منها: التهاب الكبد الوبائي والتهاب الكبد C، بالإضافة إلى الوافدين من أجل التحري عن خطر الإصابة بمرض الإيدز و إعطائهم وثيقة تثبت خلوهم من المرض لكي يتمكنوا من السفر، وأحياناً يتم سحب عينات من دم المستقدمات للعمل من خارج البلد لمنحهم وثيقة خلو من الأمراض وبذلك نتعامل مع العينة حتى تثبت العكس، كذلك يوجد مخبر فحص بول وراسب وفي حال حصل أي خطأ حتى لو كان بسيطاً يسبب أمراضاً خطيرة، وعدد العمال في المخبر بحدود 25 عاملاً وعاملة ويضم سبع شعب لالتهاب الكبد والإيدز والجراثيم وفحص البول والكيمياء والدمويات والمخبر الإسعافي.
أما ما يتعلق بالسلامة وصحة العمال فيتم إخضاع العاملين إلى دورات تدريبية حول أخطار العمل المخبري وكيفية التعامل مع الأجهزة الكهربائية وأهمية التعقيم وضرورة ارتداء القفازات، وهناك مطالبات بضرورة منح العمال طبيعة العمل التي تتناسب مع الأجور الحالية أسوة بالمعالجين الفيزيائيين رغم أنه قد تم رفع مذكرات عديدة بهذا الشأن ودون جدوى.


الجنود المجهولون
في زيارة لنا لفوج الإطفاء شرح لنا عدد من العمال طبيعة عملهم الخطرة التي تشمل الإطفاء وإنقاذ البيوت والمستودعات والأراضي الزراعية والأحراج والمحلات التجارية بالإضافة إلى حوادث السيارات (الاصطدام والحرائق) ويتعرض العمال أثناء مهمتهم لاستنشاق الدخان والحرارة التي تؤثر على الصحة وأحياناً تؤدي إلى الموت وهناك حالات اختناق جراء القيام بمهماتهم مثل حريق المستودعات في المرفأ، وبالنسبة للمرسوم 346 المتعلق بالأعمال الشاقة والخطرة فعند بلوغ خدمة المؤمن عليه في المهنة 15 سنة فعلياً يحق للعامل تقديم طلباً عند انتهاء المدة وإرساله إلى مؤسسة التأمينات لأن السنة الواحدة تحسب بسنة ونصف على ألا تزيد الخدمة المحسوبة في المعاش في هذه المهن مع الإضافات على الثلاثين عاماً ليأخذ العامل بذلك سقف المعاش وفق القوانين والأنظمة النافذة، وقد قامت مديرية شؤون الإطفاء إنشاء سجل خاص يتضمن الاسم والرقم الوطني وتاريخ الولادة وقرار التعيين والمباشرة والمهنة التي يزاولها العامل والتبدلات الطارئة بصك قانوني، والسجل يخضع للرقابة المالية والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ومفتشي العمل والتأمينات لتدوين الملاحظات عليه ومدى مطابقتها للواقع وبلغ عدد العمال 152 عاملاً في فوج الإطفاء ويوجد ثمانية مراكز (الفاروس – البهلولية – عين البيضا – كسب – الحفة – القرداحة – الفاخورة وحرف المسيترة والدالية) والعمال يتعرضون أثناء عملهم للغازات السامة الموجودة في المعامل أثناء الاحتراق بالإضافة إلى استنشاق حرائق الغابات لساعات طويلة كوننا على تلامس مباشر مع النار وفي الغابات نتعرض للأفاعي والحيوانات المفترسة وحمل الخراطيم من الأعمال المجهدة الثقيلة ونتعرض لمخاطر أثناء حرائق المعامل وخاصة الدهانات والبطاريات والصابون والاسفنج.. الخ، وفي حال اشتعال المواد السامة نحتاج إلى طمرها بالحجر الجيري لإخمادها تلافياً للانفجار الذي قد تحدثه عندما تتفاعل وتطلق غاز الهيدروجين المولد للانفجار.
العامل منار أمون آمر زمرة حريق قال: عندما نكلف بمهمة إطفاء أي حريق سواء كان منزلاً أو سيارة أو غابة فطبيعة عملنا خطرة ولا نعلم إذا كنا سنعود سالمين، علماً أننا نستخدم أجهزة الاقتحام والتنفس ونرتدي بدلات الاقتراب من النار، بالإضافة إلى أن السيارات مجهزة بالمعدات والمستلزمات الضرورية لإطفاء الحرائق ونحن على أتم الاستعداد في الأوقات كافة.
وذكر المهندس مهند معروف مدير فرع شركة المشاريع المائية أن عدد العمال المشمولين بالمرسوم 40 عاملاً والعدد الإجمالي 554 عاملاً، وقدمت طلبات التقاعد وفقاً للمرسوم لخمسة عمال وتم قبولهم كأعمال مجهدة وحالياً بانتظار الموافقات لاستكمال إجراءات التقاعد النظامي.
والمادة 13 في المرسوم تشمل المعدات الإنشائية والآليات الإنتاجية الثقيلة: البلدوزر المجنزر – البلدوزر الدولاب – التركس – المدحلة – آلة التسوية (الكريدر) الباكر – آلة التزفيت – شاحنة الجبالة – الصهاريج التي لا يقل وزنها فارغة عن /10/ أطنان .
* متابعة تأمينية مستحقة:
المهندسة حنان ديب رئيسة دائرة الصحة والسلامة المهنية في مؤسسة التأمينات الاجتماعية لفتت إلى أن المؤسسة في حال ورود أي ملف يتعلق بالأعمال الشاقة والخطرة تقوم بدراسته والتحقيق فيه من قبل المفتشين للتأكد من مكان عمل العامل وممارسته للعمل الخطر أو الشاق بشكل فعلي وليتم بناء على ذلك تحويله إلى اللجنة المختصة لمناقشته والموافقة عليه واتخاذ القرار بشأن تشميله أو عدم تشميله بالمرسوم.
وكما جاء ضمن المرسوم يحق للعامل التقدم بإحالة على المعاش عند استكمال /15/ عاماً عمل شاق أو خطر فعلياً على أن تراعى التعليمات التنفيذية عند حساب المعاش والتي تعد بلوغ عدد أيام الإجازات بلا أجر للعامل لمدة تفوق السنة الميلادية قاطعة للعمل الشاق مع التحظير على المستفيد من أحكام المرسوم ممارسة نفس العمل الذي سرح من أجله وفي حال المخالفة يوقف معاشه طيلة فترة عمله وتسترد المعاشات المقبوضة مع الفوائد وقد بلغ عدد المتقدمين للدائرة من مختلف المهن والمؤسسات كافة خلال العام الجاري 51 عاملاً.
وأضافت ديب أن المرسوم يتضمن العوامل المسرطنة والحرارة المؤثرة إلى حدود 30 درجة مئوية وما فوق وذلك وفق حسابات معينة والمهن الشاقة هناك أوزان معينة من المفروض أن يحققها العامل في عمله حمل الأوزان للرجل 50 كغ وللنساء 40 كغ وفي حال سحب أو دفع الأوزان على عربة ذات عجلة واحدة من المفروض أن تكون /150/ كغ و 100 كغ للنساء.
أما على القضبان 700 للرجل و 500 للمرأة بالإضافة إلى أعمال الحفريات ومن المهن الخطرة هي التعرض للمواد المسرطنة منها: تصنيع المطاط – عمليات صهر المعادن – تصنيع الزجاج – تكرير النفط – استخدام الوسائط الكيماوية – تصنيع الأصبغة – صناعة البطاريات والبلاستيك – اللحام والدهان – أعمال البناء وتزفيت الطرق – تصنيع الوقود - عمليات التعقيم في غرف العمليات – قطع الحجارة – المناجم – تنظيف وصيانة المداخن الصناعية – صناعة الخشب.
أما الإشعاع المسرطن فينجم عن التعرض لأشعة غاما وأشعة (X) إنتاج النظائر المشعة (المفاعلات ) – التخلص من النفايات والمواد المشعة – صيانة الطرق وتعبيدها – البحارة والعمال الزراعيين.
الأخماج المسرطن بفيروس التهاب الكبد وهو فيروس نقص المناعة وأعمال الغطس ويشترط التقدم للاستفادة من مرسوم الأعمال الشاقة أن يكون العامل قد أمضى /15/ عاماً بعمله، على ألا تزيد المدة المحسوبة في المعاش بعد الإضافة على 30 سنة أو سقف المعاش 75%.
دون الشروط أيضاً هناك عمال الغطس لمسافة تسعة أمتار والطيران في الأجواء وأعمال قيادة العربات الثقيلة التي يزيد وزنها على 10 أطنان وهي فارغة، وأعمال الصيانة والطوارئ في مختلف التوترات الكهربائية، وبالنسبة للأخماج فيستفيد منه الأطباء البشريون الذين هم على تماس مع الدم والجراحين والأطباء الشرعيين والأسنان والمساعدين الفنيين والفنيين في التخدير والعناية المشددة والعاملين في المخابر وتنظيف الأدوات المخبرية الملوثة، والعاملين في نقل النفايات الطبية ومعالجتها والتخلص منها.
أخيراً: صحيح أن المرسوم هام ويعد مكسباً للعمال إلا أن هناك مطالبات من قبل القطاعات الإنشائية والخدمية والإنتاجية بضرورة توسيع الشرائح التي يشملها المرسوم لتضم مهناً جديدة وعلى رأسها عمال الغزل والنسيج الذين يتعرضون للحرارة والرطوبة واستنشاق غبار القطن، وعمال النظافة والإسفلت الذين يطالبون بإدراج مهنهم ضمن جداول الأعمال الشاقة والخطرة كونهم يستحقونها فعلاً على اعتبار المهن التي يمارسونها مجهدة ومضنية ويستحق العاملون بها الإنضواء تحت قائمة المهن الشاقة والخطرة بما فيها من مزايا.