نحاول قدر الإمكان أن نجنّب أنفسنا الوقوف بين المواطن والجهات التنفيذية والخدمية، لأن أي كلمة لصالح طرف يحسبها الآخر ضدّه، والحقيقة أن أخذ الأحكام إلى هذه النقطة لم يكن مجرّد صدفة أو نتيجة لما تعرّضنا له من منغصّات بسبب هذه الحرب، وإنما كان ذلك (ربما) من الأهداف المدروسة التي أرادت هذه الحرب تحقيقها وهي إيجاد فجوة بين المواطن والمؤسسات التي تعمل على خدمته..

كنّا إذا ما أردنا أن نصف شيئاً ما بـ (السيئ) نقول إنه (زفت) حتى أصبح الزفت حلماً لكل شارع وزقاق..
وكنّا إذا ما أردنا التعبير عن شكوانا وضيقنا نرد على من يسألنا عن أحوالنا بعبارة (ماشي الحال)!
وعندما كنّا نريد أن نخفّف على أنفسنا أعباء الحياة كنّا نقول( بنقضيها على المجدرة والبطاطا والزيت والبصل..)!
وعندما كان يتذمّر أحد من أجرة (التكسي) والتي كانت تصل إلى (100) ليرة في مشوار طويل كنّا نقول (اطلع بالباص أو السرفيس)!
ما الذي تغيّر، ولماذا تغيّر، وهل هو بنفس القسوة التي نتناولها في أحاديثنا البيتية والفسيبوكية وحتى عبر الإعلام؟
أعمى من لا يرى أن الآه ضُربت بعشرة، وأحمق من يحاول تجميل الواقع على ما فيه من معاناة وصعوبات، ولكن هل كلّ ما في حياتنا اكتسى اللون الأسود، ألا توجد ولو (فسحة صغيرة) نستمدّ منها بعض الطاقة الإيجابية لنكمل مشوارنا في الحياة بأقلّ الخسائر؟
سأوجّه بعض الاتهامات لبعض الذين يشكون هذا الواقع، قبل أن نضع منصّات تفاؤل، أو على الأقلّ قبل أن نحاول رفع بعض التهم عن الجهات التنفيذية والخدمية، قناعةً بأهمية ما بقي من عملها، وإيماناً بـ (قدرتنا) كمواطنين على العيش بإيجابية شخصية ووطنية..

سنبدأ من أدقّ التفاصيل، من (بالوعة طافت) في مدخل بناية، أو من أكياس قمامة تكدّست فيه، وسنفترض أنّ البلدية لم تكترث، ولم تردّ على اتصالاتنا (وقد تكون لديها أسبابها، وقد تكون مقصّرة)، هل نفتح بوق الأنين على الآخر، ونستمر في انتظارنا المترافق مع زخّات من الشتائم، أم (نشمّر) عن سواعدنا، ونتصدّى لما يضايقنا بأنفسنا؟
القصّة ليست افتراضية، وكلّفت كلّ ساكن في البناية ألفي ليرة، وحُلّت المشكلة، واجتمعت نساء البناية و(شطفن) الدرج والمدخل، ولم تعد هناك مشكلة!
طبعاً هناك جهات موجودة لهذه الأعمال، لكن هل نتفرّج إن قصّرت، أم نقتلع شوكنا بأيدينا دون كثير من الوجع!؟
انطلق إلى الحيّ كلّه، وحاول تعميم التجربة، ونعرف أن هناك من سيقول الآتي:
* نحن ندفع رسوم نظافة، ورسوم خدمات، وبالتالي فلا (منيّة) لأي جهة إن قامت بهذه الأعباء، بل يجب أن تُعاقب في حال التقصير، وهذا الأمر حقّ، لكننا نفكّر بإيجابية، ونقول: إن التخلّص من أي مشكلة بتعب بسيط ومبلغ زهيد يريحنا، ويدفعنا للتفكير بما هو أهمّ منه.
* نتحدّث عن سوء رغيف الخبز (الخاص والعام)، وهذا واقع لكنه غير قابل للتعميم ومع هذا، ومن يتابع تفاصيل رحلة الرغيف من الفرن إلى المائدة بإمكانه أن يستنتج (وقد أشرنا لهذه التفاصيل على عجالة بعدد الأمس) أنّ المشكلة ليست كلّها في إنتاج الرغيف، بل أنّ معظمها فيما يتبع عملية الإنتاج من نقل وتخزين وطريقة عرض، وعلى هذا الأساس بإمكاننا أن نعاقب السمّان الذي لا يهتم بالخبز بعدم الشراء من عنده وهذا الأمر سيدفعه للاهتمام أكثر بطريقة وضع الخبز في محله، وسيجبره على الطلب من السائق أن يهتم بنقل الخبز . . إلخ.
* عندما نتفرّج على أبنائنا وهم يغرقون الشوارع بأكياس (الشيبس) الفارغة، وببقايا ما يتناولونه، ونحن نبتسم لهم هل يحقّ لنا أن نشتم (البلديات) ونتهمها بالتقصير، وهل بإمكان هذه البلديات أن تتعقّب عدم إحساسنا بالمسؤولية في كلّ شبر من المدينة والريف؟
لا يحقّ للمواطن أن يطالب بحقوقه إلا إن قام بواجباته، مع الإشارة أننا ما زلنا نتحدّث عن تفاصيل صغيرة بين الأسباب والنتائج والبدائل.


قوس قزح
(لم يخفِ أحد أصدقائي فرحته العارمة بقبول ابنه في منحة جامعة خاصة لدراسة طبّ الأسنان، وقال إنّ ذلك سيوفّر عليه حوالي عشرين مليون ليرة سورية . .)
هل نتمعّن قليلاً بهذا الرقم قبل أن نشكو من برودة المدرّج في جامعات الدولة، (مع أننا نلحّ على ضرورة معالجة هذه التفاصيل)، وهنا لا نبرر التقصير، وإنما ندعو للمقارنات الجادة والموضوعية بين ما هو سلبي وما هو إيجابي، وبين ما هو عام وما هو خاص (كلّ موظفي القطاع العام يطالبون بالتكييف وخطوط الهاتف المباشرة وكل الخدمات من سوية خمس نجوم، بينما يقبلون بأي ظروف عمل في القطاع الخاص، مع أنّ رواتب الدولة هي الأكبر، والضمانات التي توفرها الدولة ما بعد التقاعد لا يوفرها القطاع الخاص)!
تملّق مشروع
إن اعتبرتم هذا الكلام (تملقاً) فهو تملّق مشروع، ولا نعتقد أننا نقفز فوق الحقائق، لكن دائماً نحن المواطنين نحبّ أن نجلد أنفسنا . .
ساءني جداً أن أحد الذين يبيعون (البنزين) للدراجات النارية بـ (اللتر) راح يرغي ويزبد أنّه يشتري الليتر الحرّ بـ (425) ليرة ويبيعه بـ (500) ليرة، وأنّ هذه (التجرة) لم تعد مربحة معه (يربح في كلّ بيدون 3000 ليرة ويبيعه خلال ساعة أو ساعتين)، ويريد ان توفّر له الدولة البنزين بـ (225) ليرة ويبيعه بـ (500) ليرة، وتمنيتُ في لحظتها أن تأتي دورية و(تقشّ) ما لديه من بنزين (وهذه التجارة متفشيّة مدينة وريفاً وعلى عينك يا حماية المستهلك التي تنتظر من يشكو هذه الحالات لها)!
نشرنا منذ بضعة أشهر ملفاً ميدانياً بعنوان (بدنا نعيش) وعرّجنا فيه إلى مثل هذه التفاصيل، وقلنا إنه لا مشكلة في أن يجد أي مواطن ما يسند دخله الرسمي ويوفّر الأمان لأسرته، وما زلنا على هذه القناعة حتى بالنسبة لـ (بائع البنزين) طالما أنّ من يشتري راضٍ، ولكن هنا نشير إلى (عبثية الشكوى) وإلى سلبية التفكير لدى كثيرين منّا!
عندما تحضر الملايين
سنذهب إلى حيث يلتقي الجميع، إلى المدارس والجامعات، والتي لا يخلو بيت في سورية من وجود أحد أبنائه إما في المدرسة أو في الجامعة . .
المقاعد (مخلوعة)، والنوافذ مشرّعة للريح، والجدران أو الأسطح (تدلف)، و(40) تلميذاً في الشعبة، و . . .
كلّ ما تقدّم صحيح، وهو غير مقبول، وهناك تصريحات (مضللة) عن صيانات لم تحدث إلا في خيال من تحدّث عنها، ولا نقبل أن يعجز أبناؤنا عن مسك القلم بسبب البرد . . لكن هل نترك أبناءنا بلا تعليم، هل بإمكان الجميع أن يخصص مليون ليرة لكل ولد من أبنائه للمعاهد أو للدروس الخصوصية؟
اطلقت بعض المدارس مبادرات إيجابية (أجمل صف، أنظف قاعة..)، هذا ما يلزمنا لتعويض تقصير الجهات المعنية . . ليس مطلوباً منّا أن نحلّ مكان دائرة الأبنية المدرسية، لكن إن مددنا يد العون من أجل أبنائنا لا من أجل التوفير على (الدولة) أين المشكلة؟
لنكن إيجابيين
حتى لا يظنّ أحدٌ منكم إني في برج عاجيّ أو أن أبنائي في مدارس وجامعات خاصة، فإني وأبنائي عانينا من كلّ هذه التفاصيل، وشكونا وأكثرنا (النقّ)، وكما أسلفت فهذا من حقنا كمواطنين، ولكن -وهو ما أحاول إيصاله- في حال لم تكن هناك استجابة هل (نكسر الدفّ ونبطّل الغني)؟
عندما تشكو سيّدة من عجزها عن تأمين (وجبة بسيطة) لأولادها بسبب الغلاء، ألا يحقّ لنا أن نسألها أين كنتِ عندما كانت الفاصولياء بأقل من مئتي ليرة والفول الأخضر بمائة ليرة . . لو جمّدتِ (بضع طبخات) لوجدتِ لديك الحلّ!
خلاصة الكلام
بإمكاننا أن نكون إيجابيين أكثر، والواقع كما نتابعه يقول هو إننا إيجابيون بسلوكنا وتدبيرنا، لكننا سلبيون في (كلامنا) الأمر الذي يزرع فينا إحباطاً يجب أن نكون بعيدين عنه، وألا نغرق بأي من تفاصيله . .
هناك (إجحاف) بكثير من الخدمات المقدمة لنا، وسنبقى نطالب بتحسينها على الدوام، ونراقب الخطوات التي تتم على هذا الطريق، لكننا سنبادر أيضاً في إطارنا الضيّق (البيت وما يحيط به) فهذا الأمر يخفف عن الجهات التنفيذية.