قد يستطيع المجرم التواري عن الأنظار فترة، وقد يتمكن من إخفاء دليل جريمته إلى حين.. ولكن هل يستطيع دحض الأدلة المثبتة بالعلم والبرهان؟ اليوم نتابع جولتنا في مبنى إدارة الأمن الجنائي فالأدلة الجنائية ركيزة أساسية من ركائز توطيد الأمن بين الناس بل هي أساس فك غموض أي جريمة في المجتمع.

 

الأدلة الجنائية.. مفتاح الحقيقة

عندما دخلنا مخابر فرع الأدلة الجنائية استرعى انتباهي الهدوء الذي يخيم على المكان.. ضباط وصف ضباط ومتخصصون ومهندسون وكيميائيون يتعاملون مع القضايا بحذر، كل حسب اختصاصه، للوصول إلى حقيقة ما بين أيديهم من وثائق لإثباتها أو دحضها بعيداً عن الشك والتأويل.

الآثار الجرمية

كانت بداية الجولة من مخبر الآثار الجنائية ومهمة المخبر الكشف على مسرح الجريمة من خلال البحث والتفتيش عن الآثار الجرمية المتروكة في مسرح الجريمة ومواد المقارنة المستخدمة في ارتكاب الجريمة وتأمين كل الآثار ونقلها إلى المخبر الجنائي إضافة إلى دراسة ومقارنة آثار الأحذية والأقدام ودراسة ومقارنة آثار العجلات «الدواليب» ودراسة آثار أدوات العدة المستخدمة في عملية الكسر والخلع وفحص الأقفال والغالات ودراسة المفاتيح لمعرفة فيما إذا تم نسخ مفاتيح مطابقة أم لا، ثم يتم إعداد تقارير خبرة فنية.

الكيمياء الجنائية

انتقلنا إلى مخبر الكيمياء الجنائية الذي يعنى بدراسة وتحليل المواد المخدرة على اختلاف أنواعها ومصادرها للتعرف عليها وتحديد ماهيتها نقية كانت أم مختلطة ودراسة أدوات تعاطي هذه المواد، أيضاً تحليل العقاقير الدوائية والنفسية المشتبه بها فيما اذا كانت خاضعة لأي شرط من شروط المواد المخدرة.

الخبير الكيميائي أسعد العيد أكد أن المخبر يهتم بكشف وتحليل تزوير الأرقام على المعادن مثل هياكل الآليات ومحركاتها ومختلف أنواع الأسلحة الحربية وأسلحة الصيد.

كما يقوم كيميائيو المخبر بدراسة وتحليل المواد السامة والمبيدات الحشرية الموجودة في مختلف الحوادث الجنائية لمعرفة نوع المادة المستخدمة وكذلك دراسة أي أثر كيميائي يكون في مكان الحادث ويرى المحقق أن هذا الأثر قد تكون له قيمة مهمة في كشف ملابسات الحادث مثل حوادث التسمم والقتل والانتحار والكوارث والانفجارات.

وعن تجهيزات المخبر يشير الخبير الكيميائي العيد إلى أن مخبر الكيمياء الجنائية يعد مخبراً مركزياً في وزارة الداخلية لذلك ومراعاة للدقة التامة في نتائج التحليل فقد تم تزويد المخبر بأجهزة ومعدات حديثة مثل أجهزة التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية وأجهزة الفصل والرحلان بالطرق السائلة والغازية وبعض هذه التجهيزات مزودة بمكتبات مرجعية معدة من قبل شركات عالمية متخصصة كما يتم العمل باستخدام مواد معيارية نقية تبعاً للمواد المشتبه بها.

يتم العمل ضمن المخبر بحرفية وسرية تامة وكل مراحل التحليل ومايتعلق بها تعد مجانية بالكامل حيث يقع على عاتق الوزارة كل أعباء هذه الإجراءات.

مخبر السموم الجنائية

نتابع جولتنا في مخبر السموم الجنائية وهو من مخابر فرع الأدلة الجنائية وتنحصر مهمة المخبر حالياً في كشف المواد السامة العضوية (مبيدات، أدوية، مخدرات،...) في العينات البيولوجية (دم سائل، بول، محتويات معدة) بعد استلامها نظامياً (معلبة ومختومة وممهورة بالشمع الأحمر)

ثم يتم إجراء تحليل مبدئي عليها وفي حال كانت النتيجة إيجابية يتم إجراء التحاليل التي تؤكد إيجابية التحليل المبدئي أو نفيه.

مخبر التزييف و التزوير

أما في مخبر كشف التزييف والتزوير فتبذل جهود جبارة لكشف قضايا تشكل هاجساً أمنياً كبيراً للناس.. ومهمة العاملين في المخبر دراسة كل العملات الورقية والمعدنية والوثائق والمستندات الرسمية العربية والأجنبية (جوازات سفر – بطاقات شخصية – شهادات جامعية – رخص قيادة..) إضافة إلى إجراء التحاليل المخبرية للمعادن الثمينة والمواد والبودرة المعدنية.

حالياً هناك مجموعة من الصعوبات يعانيها العاملون في المخبر منها تزايد نسبة الجرائم الواقعة على الوثائق والمستندات ما سبب ضغطاً في العمل نظراً للظروف الحالية التي يمر فيها القطر، إضافة إلى توقف الدورات التدريبية الخارجية الخاصة بالمخبر للاطلاع على كل ما هو جديد في العلوم الجنائية الخاصة بالتزييف والتزوير حيث يقوم الكادر بتأمين ذلك عن طريق شبكة الإنترنت.

المرامي النارية

مخبر الأسلحة والمرامي النارية مخبر مختص بالجرائم المرتكبة بالأسلحة النارية وعمله ينحصر في دراسة الآثار الجرمية على الأشخاص المصابين بطلق ناري لبيان فيما إذا كان انتحاراً أم قتلاً.. كذلك تحديد مسافات وزوايا الإطلاق و تأمين الآثار الجرمية في مسرح الجريمة.

التعرف على الوجوه

مخبر التصوير الجنائي ونظام التعرف على الوجوه مهمته تصوير الموقوفين في إدارة الأمن الجنائي إضافة إلى تصوير الحوادث والجرائم لتوثيق مسرح الجريمة وتثبيت الأدلة والآثار الجرمية فيها ورسم صور للمشبوهين «الرسام الحاكي» من خلال وصف الشهود ومقارنة صور الجثث المجهولة وصور كاميرات المراقبة الحية مع قاعدة بيانات صور المشبوهين وأرباب السوابق.

ماذا عن التحقيق الفني؟

أثناء جولتنا في مخابر قسم التحقيق الفني سألنا النقيب عزام علي الذي يرأس القسم: ماهي مهامه وعمله فقال:

يختص القسم بالتصوير الجنائي لمسرح الجريمة وتوثيقها، إضافة إلى رسم صور تقريبية للمشبوهين ومقارنتها مع الصور المحفوظة لدينا.

كما يقوم القسم بدراسة وتحليل العملات والمستندات للكشف عن عمليات التزييف والتزوير فيها من خلال كادر فني مختص وبتقنيات حديثة، إضافة إلى دراسة التواقيع والخطوط والتأكد من صحتها أو تزويرها.

وفي خطوة جيدة لتطوير العمل أكد النقيب عزام علي أنه يتم العمل حالياً لتأسيس مخبر الأدلة الرقمية ومهمته استخراج الأدلة الرقمية من الأجهزة الإلكترونية مثل أجهزة الحاسوب والموبايلات الحديثة وسحب التسجيلات الصوتية وتنقيتها للتعرف على الصوت واستخراج الأدلة الرقمية من الإنترنت «فيديو وصور». ويتم العمل على تطوير جميع المخابر بمايتناسب والإمكانات لتواكب التطور الحاصل في مجال الكشف عن الجرائم.

من الصعوبات التي تم طرحها.. ازدياد حالات التزييف والتزوير في الوثائق نتيجة استغلال الأوضاع الأمنية وهنا يأتي دور القسم في فحص الوثائق ومقارنة الخطوط والتواقيع ومطابقتها ودراسة الأختام، كما يتم العمل حالياً على تحديث قاعدة بيانات التزييف والتزوير بالاستعانة بالكادر الموجود.

الخطوط والتواقيع

المهندس الكيميائي باسل ديب رئيس مكتب الخطوط والتواقيع أشار إلى أن اهتمامهم يقوم على دراسة حالات التزوير والتزييف الواقعة على المستندات والوثائق ومقارنة الخطوط والتواقيع وتحديد فيما إذا كانت متفقة مع الأشخاص المشتبه بهم أم لا، باستخدام التقنيات المتوافرة في مخبر التزييف والتزوير.. وعن الصعوبات التي تواجه العاملين والفرع تحدث عن ضرورة رفد الفرع بكادر من الجامعيين وخريجي المعاهد المختصين، والعمل على تأهيلهم وتدريبهم للحفاظ على مستوى عمل الأدلة الجنائية.. كما أكد أهمية المشاركة في المؤتمرات العلمية الخاصة بالعلوم الجنائية، والمعارض المتخصصة. وأشار المهندس ديب إلى أن الكلفة العالية للتحاليل في المخابر تستوجب ضرورة استيفاء رسوم مالية لتغطية نفقات المخابر في التحاليل وعمليات الصيانة وتطوير الأجهزة أسوة ببقية وزارات الدولة.

رفع الآثار الجرمية

قبل نهاية جولتنا كانت لنا محطة في قسم البصمات مع الرائد الدكتور فراس طليعة رئيس القسم والمشرف العام على المخابر..

يقول الدكتور طليعة أن من مهامهم رفع الآثار الجرمية (البصمات) من مسرح الجريمة لمقارنتها من خلال خبراء المقارنة والمضاهاة مع بصمات المشتبه بهم بالطريقة اليدوية التقليدية.. كذلك مقارنة الآثار الجرمية المؤمنة من مسرح الجريمة مع بصمات أرباب السوابق باستخدام النظام الآلي للبصمات وهو قاعدة بيانات رقمية لأصحاب السوابق بغية الوصول إلى الفاعل، إضافة إلى أخذ الانطباعات البصمية لمرتكبي الجرائم بأنواعها المختلفة ليصار فيما بعد إلى إدخالها قاعدة البيانات المركزية.

وماذا عن الشهداء والمفقودين؟

نقلنا للدكتور فراس طليعة الشكاوى التي تردنا من أهالي الشهداء والمفقودين عن التأخير الحاصل في التعرف على جثامين أبنائهم فقال: منذ بداية الأزمة يقوم الفرع بشتى أقسامه بمهمة التعرف على هوية الشهداء والمفقودين ونعتمد بصورة خاصة على مخبر «DNA» وقسم البصمات في فرع الأدلة حيث يتم استلام العينات وتسجيلها منذ لحظة ورودها إلى المخبر وأرشفتها بأسلوب علمي يضمن حفظ العينة سنوات طويلة وطبعاً تكون لدينا عينة احتياطية وعينة تستخدم في عملية التحليل.

وكما هو معلوم فإن التجهيزات المستخدمة مضى على استخدامها (11 عاماً) وأصبحت من المنظور العلمي تجهيزات قديمة بحاجة إلى استبدال أو تطوير إضافة إلى أن صيانة هذه الأجهزة القديمة بحاجة إلى خبراء متخصصين من الشركة الصانعة أو من وكلائها في الدول المصدرة، كذلك هناك صعوبة في تأمين المواد المستخدمة في تحليل العينات نتيجة الحظر المفروض على بلدنا. وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات التي تواجه القسم لا يزال العمل مستمراً والجهود تتركز في الفترة الحالية على تطوير المخبر ليواكب ما أفرزته الأزمة من قضايا تتعلق بشهداء الوطن والمفقودين، كذلك يتم العمل على تطوير القدرة الاستيعابية لقاعدة بيانات البصمات.

يشير الدكتور طليعة إلى أن الأزمة التي تمر فيها بلادنا أفرزت العديد من الصعوبات المتعلقة بحسن سير العمل، فمنذ بداية الأزمة ونتيجة الحظر الاقتصادي المفروض على سورية تمت عرقلة حركة تطوير تجهيزات القسم التي كانت متواصلة، إضافة إلى صعوبة تأهيل الكادر بسبب عدم القدرة على إيفادهم خارج القطر، لأن علم البصمات بشتى أنواعه بحاجة إلى متابعة مستمرة وهذا غير متوافر..من هنا تأتي أهمية رفد الكادر بأحدث الوسائل التي تفرزها التكنولوجيا الحديثة لذلك يتم الاعتماد حالياً، وبصورة كاملة، على الخبرات المحلية المتوافرة في الإدارة إضافة إلى الاستعانة بالخبرات الموجودة في مؤسسات الدولة لإصلاح وصيانة التجهيزات.

مع رئيس فرع الأدلة الجنائية

مع ختام جولتنا في مخابر فرع الأدلة وصلنا إلى نتيجة مفادها أن محاكاة العمل تتم وفق أسلوب علمي لا يستطيع معه الجاني أو المجرم الهرب، فالحقيقة ستظهر والمواجهة تكون بأدلة جنائية ملموسة وواضحة.. فماذا عن الفرع بشكل عام وما هي الصعوبات، وماهي آلية تطوير العمل ولاسيما مع حصار اقتصادي ظالم على بلدنا وحاجة ماسة لمواد وتجهيزات وخبرات فنية تحتاجها المخابر.

المقدم محمد سنقر رئيس فرع الأدلة الجنائية استقبلنا في مكتبه بعد أن استفسر عن نتائج جولتنا في الفرع وانطباعاتنا وكانت بداية الأسئلة معه عن صعوبة تأمين القطع البديلة والمواد المستخدمة في التحليل فقال: صعوباتنا تأتي من كون المواد اللازمة للتحاليل والقطع التبديلية للأجهزة ذات منشأ أمريكي أو أوروبي وفي ظل الحصار المفروض على سورية نجد صعوبة في تأمينها، الأمر الذي يلقي عبئاً كبيراً على كاهل الفرع والعاملين للحفاظ على مستوى عمل جيد في المخابر. وكما هو معلوم العلوم الجنائية في تطور دائم، وهذا يحتاج إلى متابعة وتأهيل دائم لجميع الخبراء للاطلاع على كل ما هو جديد، لكن الظروف التي يمر فيها الوطن جعلت تأهيل وتدريب العاملين من الصعوبة بمكان من حيث الإيفاد، لذلك تم اللجوء إلى حلول بديلة تعتمد على الاستفادة من خبرات الخبراء الموجودين لدينا في تدريب وتأهيل العاملين. ويركز المقدم سنقر حديثه على مخبر البصمة الوراثية وهو مخبر مختص بالعينات الواردة من مسرح الجريمة واثبات حالات البنوة والنسب، وقد أنشئ المخبر عام 2004، والغاية التي أنشئ لأجلها جنائية بحتة وبطاقة إنتاجية محدودة أما حالياً، ونتيجة الأزمة، فقد ازدادت الأعباء الملقاة على عاتق المخبر خاصة فيما يتعلق بعينات الشهداء والمفقودين. ويشير المقدم سنقر إلى العمل على توسيع قاعدة البيانات في مخبر التزييف والتزوير فيما يخص جوازات السفر والعملات، كذلك بناء قاعدة بيانات البصمة الوراثية كما أن مخبر الأدلة الإلكترونية قيد التجهيز.

طبعاً أثناء الجولة التي قمنا بها في المخابر واطلاعنا على ما يبذله العاملون من جهود كبيرة في إيضاح الحقائق وبشكل علمي خطر لي أن اسأل المقدم سنقر: وماذا بعد كتابة التقارير الفنية والعمل عليها فقال: يعتمد القضاء بصورة أساسية على تقارير الخبرة الصادرة عن الإدارة لكونها تستند على أسس علمية صحيحة، والجدير ذكره أنه منذ تاريخ إحداث فرع الأدلة الجنائية وحتى تاريخه لم يتم الطعن بأي تقرير من تقارير اللجان.

علم وخبرة

يؤكد المقدم سنقر أن كل الفحوص والتحاليل الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية الخاصة بالآثار المادية التي يستفاد منها في اكتشاف الجريمة وحفظ وصيانة وتطوير الأجهزة العلمية تتم بالاعتماد على المهارات المحلية المتوافرة لدى عناصر المخبر.

أخيراً..

استخراج بصمة الحمض النووي، أو ما يعرف بتحليل البصمة الوراثية (DNA) غير متوافر في سورية إلا في مخبر الأدلة الجنائية في إدارة الأمن الجنائي، لكن، مع الحصار الاقتصادي المفروض على بلدنا وصعوبة صيانة الأجهزة وتأمين مواد تحليل العينات وخاصة فيما يتعلق بجثامين الشهداء، نأمل البحث عن حلول للتعرف على هوية الشهداء والضحايا ومجهولي الهوية، ورفد المخبر بأجهزة تحليل أكثر تطوراً للإسراع في إنجاز تحاليل البصمة الوراثية.

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع