لم يكن مستغرباً ولا أمراً غير متوقع أن يقوم «تحالف» العدوان على اليمن الذي تقوده السعودية بالضغط على إدارة «نايل سات» لحجب بث فضائية «المسيرة» اليمنية، وأن يكون ذلك بإسناد أميركي ضغطاً ـ بالتوازي ـ على إدارة «هوتبيرد» لتقوم بالمثل، إلى جانب قيام «يوتيوب» أيضاً بإغلاق صفحة «المسيرة» على موقعه.

 

ولم يكن هذا الحجب هو الأول في سلسلة استهداف السعودية لوسائل الإعلام اليمنية في إطار حرب التدمير التي تقودها ضد اليمن منذ شهر ونصف الشهر، ولنذكر هنا أن هذا الاستهداف بدأ قبل أيام من بدء العدوان في 26 آذار الماضي وذلك عندما غادر الرئيس المتراجع عن استقالته عبد ربه منصور هادي اليمن إلى السعودية بداية الشهر نفسه حيث بعث رسالة إلى إدارة «نايل سات» يطالبها بإغلاق القنوات اليمنية الرسمية «عدن، سبأ، الإيمان» التي تبث على قمرها الصناعي وذلك باعتبارها «قنوات رسمية تتبع للدولة التي هو رئيسها، وبالتالي تتبع له»، ولبت «نايل سات» الطلب فوراً دون نقاش، يومها ربما لم تصل التحليلات والتفسيرات أو حتى أسوأ التوقعات لهذه الخطوة باعتبارها قد تكون تمهيداً لما يبيت في ليالي السعودية ضد اليمن من عدوان وحشي مدمر سينطلق بعد أسبوعين.

ولأن الإعلام هو إحدى أدوات الحرب ولأن منصور هادي وآل سعود غير واثقين من موالاة الإعلام الرسمي اليمني لهذه الحرب، كان لابد من خطوة استباقية مبكرة قليلاً، حتى لا يشك في أمرها متمثلة بحجب فضائيات الإعلام الرسمي وحتى المواقع الإلكترونية التابعة له، والهدف أن يكون الفضاء اليمني والعربي مسرحاً مطلقاً للماكينة الإعلامية السعودية والإعلام العربي الدائر في فلكها، لتواصل من خلاله عملية السطو على العقل العربي بما تضخه ليلاً نهاراً من مواد وتقارير وتحليلات تعيث تزييفاً في حقيقة وأهداف العدوان السعودي من جهة، وتستهدف كل وسيلة إعلامية ترفض هذا العدوان وتفضحه وتعرّي ما ترتكبه السعودية من مجازر بحق الشعب اليمني من جهة أخرى.

بعد نحو أسبوعين من خطوة هادي، انطلق العدوان وحشياً مدمراً منذ لحظاته الأولى ليفتك باليمنيين وبمقومات حياتهم وأركان دولتهم، مطمئناً إلى أن لا شاهد ولا حسيب، ومعتبراً أن الإعلام الآخر أي الإعلام الخاص ممثلاً بعدة فضائيات منها «المسيرة» إلى جانب «الساحات» و«آزال» و«اليمن اليوم» و«عدن لايف» هو إعلام حديث العهد بإمكانات بسيطة لن تصمد أمام سطوة الإعلام السعودي والعربي الموالي له، ونذكر هنا أن تلك الفضائيات المذكورة هي أيضاً على لائحة الحجب في الأيام المقبلة تبعاً لاجتماع وزراء الإعلام العرب الذي عقد يوم الخميس الماضي في القاهرة.

ولكن هذا الحال لم يمنع من استهداف تلك الفضائيات بالقصف بعد إعلانها «كأهداف عسكرية» خلال مؤتمر صحفي للناطق باسم تحالف العدوان أحمد العسيري في 29 آذار الماضي أي بعد ثلاثة أيام على بدء العدوان، وبالفعل قصف الطيران السعودي في 20 نيسان الماضي المقر الرئيسي لفضائية «اليمن اليوم» ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى في كادرها وتدمير مبناها، وبعد عشرة أيام استهدف العدوان السعودي بالصواريخ مكتب فضائية «المسيرة» في صعدة ما أدى إلى تدميره مع الأبنية المحيطة به.

ربما لم يكن نظام آل سعود يتوقع أن فضائيات مثل «المسيرة» و«اليمن اليوم»، قادرة على الجذب والتأثير حتى في الداخل السعودي لدرجة أصابت وسائل الإعلام السعودية بهستيريا لم تتحرج معها من الدعوة علناً عبر كتّاب ومحللين سعوديين وعرب إلى قصف وسائل الإعلام اليمنية وإسكاتها بالنار والحديد، لكن ذلك لم ينفع واستمرت هذه الفضائيات في العمل بأقل الإمكانات وأقل قدرة على التحرك الميداني في ظل شراسة القصف واستهدافه شبكات الاتصال والكهرباء لعزل اليمن عن العالم الخارجي.

بعد شهر ونصف الشهر من العدوان استمرت الفضائيات اليمنية وعلى رأسها «المسيرة» في العمل والتأثير لتتصاعد هستيريا إعلام آل سعود إلى حدها الأعلى فلم يكن من سبيل إلا الضغط على «نايل سات» و«هوتبيرد» و«يوتيوب» لسلبها المساحة الفضائية التي تبث منها، وكان المستهدف الأول فضائية «المسيرة» التي توصف بأنها الصوت الصارخ بوجه العدوان السعودي لدرجة أنها أجبرت في عدة أحيان القنوات السعودية «العربية تحديداً» والقنوات الخليجية على الاعتراف رغماً منها بسقوط ضحايا وبالتدمير الذي يخلفه العدوان السعودي في البنى التحتية والمنشآت التحتية العامة والخاصة.

ربما من سوء أقدار آل سعود أن فضائية «المسيرة» تبث من بيروت وليس من اليمن، وبالتالي كانت بعيدة كمقر رئيسي عن القصف والتدمير كما كان حال الفضائيات الأخرى، لكنها وبالمقابل تقع تحت «سلطة» المتحكم بالفضاء الإعلامي بأمواله الضخمة المتأتية من ثروة نفطية هائلة كان يقال عنها في غابر العرب: «نفط العرب للعرب» فإذا بالسعودية تحوله إلى سلاح يقتل العرب ويفتت الأمة.

في مسألة حجب فضائية «المسيرة» يعيدنا المحللون إلى خطوة منصور هادي الآنفة الذكر- أي طلبه حجب الفضائيات- الرسمية لينطلق بعدها العدوان على اليمن ويشيرون إلى أنه بعد أربع وعشرين ساعة من حجب «المسيرة» بدأت الفضائيات السعودية تبث صوراً لأرتال الدبابات محملة على شاحنات عسكرية وتقول إنها تعزيزات من «القوة الضاربة» السعودية بدأت بالوصول إلى حدودها مع اليمن.

في التحليلات هناك اتجاهات ثلاثة لهذه التعزيزات: الأول- وربطاً بحجب فضائية «المسيرة»- يكون ذلك استكمالاً للتعتيم على حقيقة ما يجري على الأرض سواء لناحية المجازر التي سترتكب أو لناحية الهزائم التي يُمنى بها آل سعود، أو لناحية ما هو مخطط لليمن في المرحلة المقبلة.

وكانت فضائية «المسيرة» قالت في تعليقها على قرار الحجب: أن يأتي الحجب قبل يومين من بدء سريان الهدنة «اليوم الثلاثاء» فهذا يعزز الشكوك في أن السعودية تتخوف من إتاحة الفرص للإعلام الحر في الكشف عن حقيقة ما ارتكبته من فظائع بحق اليمنيين ودولتهم وتراثهم.

الاتجاه الثاني ربما يكون متعلقاً باشتداد الاشتباكات الحدودية ووصولها إلى مرحلة تعجز معها سلطات آل سعود عن حسمها نصراً أو على الأقل ردّها وحصرها في إطار الحدود.

لكن في النهاية ومهما بلغت الحرب وبلغ حجم الترهيب والتضليل الذي يرافقها فإن الشعوب تقول كلمتها وتعرف وتدرك وتقرر وتردّ على العدوان، هذا ما قاله ويفعله الشعب السوري وما يفعله الشعب اليمني أيضاً، وكل من يعتقد غير ذلك هو غبي واهم والزمن سيثبت ذلك طال أم قصر.

الاتجاه الثالث قد يكون تحضيراً لعدوان بري تدعمه قوات مرتزقة وصلت من السنغال وربما من دول أخرى لم يعلن عنها، ولذلك يأتي الحجب لحجب حقيقة حجم هذا العدوان البري ومستواه سياسياً وجغرافياً.

وربطاً بما سبق فإن اليمنيين اليوم، كما السوريين، يتعرضون في ما يتعرضون للحرب الإعلامية ذاتها التي تستهدف صوت الحق والضمير عبر سلب الشعوب العربية حق أن تعرف وتقرر وتردّ على من يستهدفها.