استراتيجية وطنية موحدة و إنشاء هيئة متخصصة بالصحة النفسية..مطالب ملّحة

تترك الأعمال الإرهابية التي تقوم بها المجموعات المسلحة آثارها الكارثية على كل مناحي الحياة لكن ربما يبقى الجانب النفسي هو الأشد وطأة فالدمار والخراب يمكن أن يعاد إعمارهما ولاشك في أن الانتصارات الموعودة وعودة الأمن والاستقرار تنسي المواطن مع الوقت شظف العيش الذي مر به،

لكن انكسار النفوس بسبب العنف الذي تعرضنا له يحتاج الوقت الأطول لإعادة ترميمه فالأغلبية تعاني اضطرابات خلفتها الأزمة كالقلق والتوتر والخوف والاكتئاب، لذلك نحتاج اليوم الى العديد من المتخصصين نفسياً واجتماعياً للمساعدة في هذا المجال.. وانطلاقاً من ذلك تابعت «تشرين» في التحقيق التالي: واقع الصحة النفسية اليوم للتعرف على دور الجهات الحكومية وماقدمته.

غيض من فيض

كثيرة هي القصص المأسوية التي تعرضت لها معظم العائلات وتركت جراحاً كبيرة يصعب اندمالها مع مرور الوقت فأم سامر التي هجرت من بيتها في ريف دمشق نتيجة الأعمال الإرهابية المسلحة واستشهد اثنان من أبنائها وتوفي على إثر ذلك زوجها حزناً على ماأصاب العائلة تقول: حتى اللحظة أشعر بأنه حلم.. لا أصدق ماحدث.. أصبحت كثيرة الشرود.. لاشيء يسعدني بعد ماحل بعائلتي.. أحب العزلة كثيراً، اجلس وحدي ساعات أتذكر كيف كنا نمضي أوقاتنا، صورتهم لاتفارق ذهني.

وتتابع: أذهب كل أسبوع إلى ضريحهم حاملة معي الماء والأطباق التي كانوا يشتهونها.. أجلس معهم.. أتحدث إليهم ساعات.. أشعر أنهم يسمعونني فأحس بالراحة مضيفة: الشيء الوحيد الذي يواسيني هو الانتصار الذي يحققه رجال الجيش العربي السوري وعودة الأمن إلىسورية.

بينما تقول شيرين مصطفى خريجة تربية وعلم نفس وتشارك في الكثير من المبادرات لدعم المتضررين من جراء الأزمة: شكلنا فريقاً أنا ومجموعة من زملائي للمشاركة في أعمال الطهو في مراكز الإيواء.. أقضي معظم أوقاتي معهم ورغم أنني أحاول دعمهم والتخفيف عنهم والاستماع إلى همومهم لكن حالة عارمة من الاكتئاب والحزن تنتابني لما آل إليه حالهم وحتى عندما أعود إلى المنزل وأضع رأسي على الوسادة لاأستطيع النوم وأعيد تذكر ماحدثوني عنه فأنفجر بكاءً.

الدعم النفسي للجميع

ربما يجول في أذهان الكثيرين من هو الشخص الذي يحتاج الدعم النفسي، يجيب الدكتور طلال الكفري الأستاذ في جامعة دمشق قسم علم الاجتماع بأن جميع شرائح المجتمع السوري وفئاته العمرية تأثرت نفسيا بالأزمة الراهنة بمن فيهم المثقفون وهم بحاجة لدعم نفسي طويل الأمد لاينتهي مع انتهاء الأزمة بل يستمر لما يقارب ربما الـ 15 عاماً القادمة لافتاً إلى أن هناك شرائح تأثرت نفسياً بنسبة أكبر من غيرها ولاسيما أولئك الذين شهدوا إجرام المجموعات الإرهابية المسلحة وهجروا من منازلهم مرغمين ويعيشون حالياً في مراكز الإيواء.

وأشار إلى أنه على الرغم من أن الجهات الحكومية أمنت لهم المسكن البديل لكنهم يعانون التشتت نتيجة فقدانهم المكان الذي عاشوا فيه طويلا وتربطهم معه ذكريات وعلاقات مع الجوار لذلك فإن علماء الاجتماع يوجهون في مثل هذه الحالات المؤسسات الحكومية والأهلية لمراعاة إيجاد بيئة اجتماعية في مراكز الإيواء قريبة من البيئة الاجتماعية والنسيج الاجتماعي الذي كانوا يعيشون فيه منوهاً بأن عدم وجود المسكن المستقل للأسر في مراكز الإيواء أدى لعدم ضبط الأبناء من قبل الوالدين وممارستهم سلوكيات منحرفة تتنافى مع الضوابط الاجتماعية وإلغاء الخصوصية والطقوس الخاصة التي يجب أن تتمتع بها كل أسرة وأوضح أن هناك حالة من القلق والتوتر أصابت معظم الناس خلال الأزمة حول مصيرهم المستقبلي وهذا التوتر والقلق نجده ينعكس واضحاً على علاقة الأسر بين بعضها وبين المواطنين وحتى زملاء العمل سواء في المؤسسات التربوية أو المهنية، لذلك نجد أن الجميع في حالة انفعال وخوف وتحدث المشاجرات اللفظية وقد تتطور إلى عراك وهذا كله شحنات غضب وانفعالات يتم تفريغها.

مشروع بطيء وعشوائي

ولدى سؤالنا عن دور قسم علم الاجتماع خلال الأزمة الراهنة وفيما إذا كان هناك تنسيق بينه وبين الجهات الحكومية لتقديم دعم نفسي للمحتاجين قال: وجهنا طلبتنا للقيام بأبحاث وحلقات بحث تتعلق بالأوضاع النفسية والمعيشية التي يعانيها المتضررون من الأزمة ولاسيما في مراكز الإيواء وتتم طباعتها وتوزيعها على الجهات المختصة حيث تخدم نتائج هذه الأبحاث والدراسات المنظمات والمؤسسات التي تعنى بالرعاية الاجتماعية متمنياً أن تؤخذ نتائج هذه الأبحاث بالحسبان وأن تتم الاستفادة منها لا أن تلقى في المستودعات، مشيراً إلى أن 90% من العاملين في حقل الدعم النفسي هم خريجو قسم علم الاجتماع وأن هذه الخدمة انتقلت إلى المدارس كون الأطفال الذين شهدوا العنف سواء عبر وسائل الإعلام أو على أرض الواقع هم بحاجة لدعم نفسي مشيراً إلى الحاجة الماسة اليوم لأعداد هائلة من الكوادر المتخصصة بالدعم النفسي لأن كل تجمع بشري في البلاد يحتاج هذا الدعم وعلى هذه الكوادر أن تخضع لدورات متخصصة في هذا المجال لاكتساب مهارات تتعلق بالمشكلات النفسية التي أفرزتها الأزمة.

وأشار إلى أن هناك مشروعاً على مستوى المؤسسات الحكومية لترميم الوضع النفسي وإعادة التوازن لكل الشرائح لكن هذا المشروع لاتزال فاعليته بطيئة وعشوائية ويحتاج تنظيماً أكبر.

استراتيجية وطنية

وعن دور الإعلام في هذا المجال قال: إن المؤسسات الإعلامية تؤدي دوراً لايستهان به لتقديم الدعم النفسي، ويجب أن تكون هناك برامج ثابتة وحلقات مترابطة خاصة بالأطفال والشباب والنساء مؤكداً أن استقبال ضيف ومختص اجتماعي بضع دقائق لايكفي لتحقيق الهدف المنشود منوها بأن كل الوزارات يترتب عليها دور في هذا المجال بما فيها وزارة الأوقاف، فخطباء المساجد يمكنهم تخصيص أفكار في كل جمعة تساهم في الدعم النفسي.

وأكد الكفري ضرورة وجود التنسيق والتشبيك بين كل المؤسسات وأن تكون هناك استراتيجية وطنية موحدة تمتلك برامج دعم نفسي آخذين في الحسبان أن برامج الدعم النفسي في المناطق الساخنة تختلف عن المناطق المستقرة فلا يجوز أن يكون هناك برنامج موحد لجميع المحافظات بل برامج تراعي الفئات العمرية والبرامج الموجهة للنساء تختلف عن الرجال.

45 طبيباً لكل السوريين

في بعض الأحيان ربما تتأزم الحالة النفسية للإنسان فيخرج الأمر من يد المختصين اجتماعياً ويتطلب تدخلاً طبياً سريعاً ليأتي دور وزارة الصحة وما قدمته خلال الأزمة في مجال الصحة النفسية والمشكلات التي تواجهها, فمن جهته مدير الصحة النفسية في وزارة الصحة الدكتور رمضان محفوري يؤكد أن الاضطراب النفسي يعني حدوث اضطراب نفسي وسلوكي يظهر من خلال أعراض تشير إلى اضطراب وظيفي بما فيه من أعراض الاضطراب في التفكير والمزاج أو الإرادة والإدراك أو التوجه أو الذاكرة وغيرها ما يجعل الفرد غير قادر على التعرف على الواقع بشكل جيد وغير قادر على تلبية متطلبات الحياة اليومية.

منوهاً بأن واقع الصحة النفسية لم يكن في يوم من الأيام في أحسن حالاته وذلك بسبب الوصمة التي تلاحق المريض النفسي وأهله والطبيب والمختص النفسي وكل العاملين في مجال الصحة النفسية تاريخياً, وكذلك التكلفة العالية للمريض النفسي وقلة مداخيل العاملين في الصحة النفسية وصعوبة نقل المريض النفسي والتزامه بالعلاج النفسي المطلوب وغيرها من الصعوبات.

وأشار إلى أنه قبل الأزمة كان لدينا حوالي 80 طبيباً نفسياً في مشفيين للأمراض النفسية ومراكز لمعالجة الإدمان وبعد الأزمة تقلص عدد الأطباء إلى حوالي 45 طبيباً نفسياً وزاد عدد المشافي, حيث أصبح هناك ثلاثة مشافٍ للأمراض النفسية هي مشفى ابن سينا في ريف دمشق وابن رشد في دمشق وابن خلدون في ريف حلب وهو خارج الخدمة منذ حوالي السنتين بسبب إرهاب العصابات المسلحة وأعيد إلى الخدمة بعد تحريره من تلك العصابات من حوالي السنة وأعيد تجهيزه والعمل به وحالياً فيه أكثر من 160 مريضاً غير المراجعين يومياً من المرضى بشكل يومي وعاد كادره إلى العمل بشكل طبيعي.

رأب الفجوة

ولفت د. محفوري إلى أن العمل جار بشكل مستمر وجاد على إعداد كوادر الصحة النفسية من خلال العمل على زيادة عدد الأطباء المقيمين لاختصاص النفسي, إضافة إلى أنه في السنوات الثلاث الأخيرة تم ومن خلال برنامج رأب الفجوة في الصحة النفسية تدريب حوالي 350 طبيباً من اختصاصات أخرى على بعض العلاجات النفسية, إضافة إلى تدريب 25 معالجاً نفسياً على العلاجات السلوكية والمعرفية والأسرية من خلال برنامج تدريب المعالجين على العلاجات النفسي، كما تم تدريب أكثر من 500 ممرض وممرضة على الدعم النفسي الاجتماعي والإسعاف النفسي الأولي من خلال برامج تعزيز الصحة النفسية، مؤكداً أن أغلب الأدوية متوفرة محلياً وغير المتوفر يتم استيراده أو تأمينه.

لا أرقام دقيقة

وفيما يتعلق بالأعداد الحقيقية للمتضررين نفسياً من جراء الأحداث قال: هناك إحصاءات دائمة ومستمرة وبشكل دوري شهرياً أو فصلياً ترد من مديريات الصحة والمشافي النفسية ترسل إلى مديرية الصحة النفسية وهناك ارتفاع بالنسب العالمية المتعارف عليها نفسها أكبر مما كانت عليه في فترة ما قبل الأزمة ولكن بالنسب المتعارف عليها عالمياً نفسها وأضاف: هذه الأرقام تبقى غير دقيقة ولا يمكن اعتمادها لأن الوزارة وبسبب الأعمال الأرهابية والأوضاع غير المستقرة في بعض المناطق لا يمكنها الوصول والتحقق من الأعداد الحقيقية لعدد الأشخاص الذين يعانون ضغوطات نفسية حتى المنظمات الدولية لا يمكنها القيام بذلك منوهاً بأن النسب تزداد حوالي 35-40% من المضطربين نفسياً بعد الأزمة عما هي عليه قبل الأزمة، مشيراً إلى أن أغلب الاضطرابات والضغوطات النفسية التي تخلفها الحروب تزول حين تستقر الأوضاع.

هيئة للدعم

إذاً، الجميع يعاني، والجميع تضرر وتألم وبكى نتيجة ما جرى من أحداث عنف، وهذا أمر طبيعي ويحدث مع كل الشعوب التي تعرضت لحروب أفقدتها الأمان وأغلى الأحبة لكن يبدو من الأهمية بمكان هنا الالتفات من قبل كل الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع الأهلي لإعادة ترميم النفوس المتضررة ورصد الميزانيات لهذا الغرض حتى لو اقتضى الأمر إنشاء هيئة متخصصة بالدعم النفسي وزيادة عدد المختصين بالصحة النفسية واستقبال أعداد كبيرة من الوافدين لقسم علم الاجتماع وتدريبهم وتأهيلهم لتقديم الدعم للمتضررين نفسياً إزاء الأزمة.