كشفت العملية الأمنية الأخيرة على قطاع غزة (12 تشرين الثاني 2018) النقاب عن فشل الآلة الحربية الصهيونية وارتباك المستوى السياسي لحكومة نتنياهو التي تفاجأت برصد المقاومة الفلسطينية لتحركات القوة الأمنية التي حاولت الدخول إلى قطاع غزة والتصدي لها وإلحاق خسائر فادحة بها أسفرت عن مقتل ضابط صهيوني برتبة عميد في القوات الخاصة وسقوط قتلى وجرحى، ولم تكتف المقاومة الفلسطينية بذلك بل أتبعته بإطلاق الصواريخ على مستوطنات غلاف غزة وسقوط مزيد من الخسائر البشرية في صفوف جنود العدو ومستوطنيه، وتوسعت دائرة النيران الصاروخية لتشمل مدينة عسقلان والمجدل. حيث حملت هذه الصواريخ رسائل ردع أكدت بها القوة والإرادة الصلبة في الرد على أي اعتداء يستهدف القطاع ومقاومته، وقد أكد المعلق الإسرائيلي الوف بن ديفيد في القناة العاشرة أن رد المقاومة «كان مدروساً».

وفي المقابل، كشفت العملية الفاشلة عن حقيقة مفهوم التهدئة بالمعايير الإسرائيلية، الذي هو استمرار لنهج العدوان بأساليب وأشكال مختلفة، وبما يحقق مصالحها الأمنية.

وطالما ترقبت «إسرائيل» طوال العقد الماضي مآلات الأوضاع في قطاع غزة والذي أخضعته لحصار قاس منذ أحد عشر عاماً وهاجمته بثلاث حروب عدوانية في الأعوام 2008 و 2012 و2014 واستخدمت خلالها قواتها البرية والجوية والبحرية لتحقيق أهم أهدافها بالقضاء على قدرات المقاومة الفلسطينية ووقف الهجمات الصاروخية على مدن وبلدات الداخل المحتل عام 1948. ولكنها فشلت في تحقيق ذلك ولجأت للقتل والتدمير الهمجي عسى أن يشكل ذلك ضغطاً على المقاومة فتستسلم خوفاً على المدنيين، فهي لم تنجح خلال الحروب العدوانية الثلاث من تحقيق أهدافها بالقضاء على المقاومة الفلسطينية أو التوغل داخل أراضي القطاع واحتلال أجزاء منه. ولو كانت حكومة نتنياهو متأكدة من تحقيق انتصار وإنجاز الأهداف المطلوبة لما ترددت في شن عدوان على غزة منذ زمن. «إسرائيل» لم تستطع أن تتخلص من شبح الحروب الثلاث السابقة على القطاع ولم تعد تطالب بالانتصار لأنه أصبح بعيد المنال عنها بسبب المقاومة التي واجهتها. ومن البدهي أن المقاومة لم تبق في حالة جمود منذ ذلك الوقت وعملت على تطوير قدراتها وأدائها استعداداً لأي مواجهة، وهذا ما أثبته الاشتباك الأخير من ابتكار وإبداع لوسائل المقاومة. لذلك لن تتمكن حكومة الاحتلال من دخول غزة وإلحاق الخسائر بالمقاومة الفلسطينية والضغط على معنويات الشعب المحاصر الذي يمتلك إرادة الصمود والتحدي.

ولدى مراجعة خطابات الحكومات الصهيونية المتعاقبة نلحظ أن موضوع «التحدي والأمن» هو الأساس في التوجهات السياسية العامة لديهم. وفي الوقت ذاته نلاحظ أن حكومة نتنياهو تتبنى في الظاهر سياسة «الباب الدوار» إزاء التطورات في غزة، وبشكل ربما يوحي بأن المستقبل مفتوح على أكثر من احتمال، لكن مع تشديد واضح على استثناء إمكانية أن تتخلى السياسة الإسرائيلية عن ركيزة الأمن، وبالرغم من إطلاق التهديدات للنيل من المقاومة في غزة إلا أن القيادات الصهيونية تخشى المجهول، فلا مكاسب سياسية سيحصدها من العدوان مهما كان حجمه ولا إنجازات عسكرية تسمح لأحد منهم بأن يتفاخر أمام جمهوره ليحقق مكاسب انتخابية.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المجلس الوزاري المصغر لحكومة الاحتلال محتار مع غزة فلا هو قادر على الحسم النهائي والانتصار السريع السهل ولا هو قادر على ترك غزة تطور من قدراتها الذاتية. وقد أصبحت مثار جدل واهتمام لدى الأحزاب الصهيونية و محط خلاف علني وإعلامي في السباقات والمزايدات الانتخابية، وقد تباينت ردود الأفعال بين هذه القوى والجماهير المؤيدة لها بشأن الهدنة مع المقاومة أو شن حرب عليها حيث يرى رئيس أركان حكومة الحرب الصهيونية أن الهدنة خضوع للمقاومة التي ستفرض على «إسرائيل» منطقاً جديداً يغير قواعد الصراع والاشتباك.

وفي هذا الإطار صرّح رئيس الأركان السابق دان حالوتس لوسائل إعلام عبرية «أن أي تنازل يعني بداية الانهيار أمام مزيد من الضغوط، والمعضلة ليست في غزة وإنما انتقال ظاهرة غزة إلى الضفة الغربية، لذلك فإن أي انتصار لغزة سيحرك جماهير الضفة للسير على نهج غزة وهذا ما يجب الحذر منه».

وأظهرت استطلاعات الرأي الإسرائيلية الأخيرة أن الأغلبية ترى أن المقاومة الفلسطينية خرجت منتصرة في المواجهة الأخيرة، وأن نسبة المؤيدين لشن عدوان شامل ضد غزة قد ارتفعت بسبب عدم شعور الإسرائيليين بالأمن. ودليل على عدم ثقة بالمستقبل الذي أمسى مهدداً بصورة أكبر بفعل صمود غزة.

لذلك كانت تصريحات نتنياهو واضحة أمام ناخبيه حيث قال «إننا أمام مسيرة طويلة يجب أن نستعد لاستمرار النضال ضد هذا الرعب. هناك تبادل للضربات وهذا لن ينتهي بضربة واحدة». هذا التصريح يؤكد عجز الجيش الإسرائيلي في حسم المعركة وكلام نتنياهو يتناقض مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الذين يهددون ويتوعدون باحتلال غزة وتصفية المقاومة.

في الواقع، إن المقاومة أفشلت مخططاً صهيونياً عدوانياً كبيراً استهدف خلط الأوراق ومباغتة المقاومة وتسجيل «إنجاز نوعي» أصاب حكومة الحرب الصهيونية والجمهور الصهيوني بحالة من الهلع والرعب، ظهرت في قطع نتنياهو زيارته لباريس والعودة مرغماً إلى تل أبيب وعقد اجتماع طارئ للمجلس الوزاري المصغر، وظهرت أيضاً بتحذير وسائل الإعلام العبرية من المفاجآت التي كشفت عنها المقاومة الفلسطينية في المواجهة الأخيرة التي انتهت باتفاق تهدئة أشعل المعارضة ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو واتهامه بالخضوع لقواعد الاشتباك وقواعد اللعبة الجديدة التي فرضتها قوى المقاومة الفلسطينية في غزة التي أثبتت مجدداً أنها مازالت على العهد وأنها تمتلك الجاهزية والقوة، وتستطيع تغيير كل المعادلات المفروضة بالميدان.