بعد مرور 10 سنوات على تطبيق تجربة المدارس الحقلية في سورية تجدها تخطو ببطء بين المناطق السورية عموماً والساحلية خصوصاً رغم أن الآراء اجتمعت على أنها خطوة ايجابية ترمم الصدع الموجود في الإرشاد الزراعي وتؤهل المزارعين بشكل علمي تمتزج فيه الخبرة مع المعرفة بأسلوب تفاعلي، بعيداً عن التلقين الممل ليتحول المزارع إلى مشارك في نقل المعلومة وتطبيقها ما ينعكس إيجاباً على الموسم الزراعي عبر الحصول على منتج زراعي نظيف وخال من الآثار المتبقية للمبيدات. ورغم أن عدد المزارع الحقلية تطور بشكل ملحوظ في محافظة اللاذقية إلا أن المبالغ المخصصة لنشر هذه الفكرة تبقى زهيدة لتتأثر اليوم بالأوضاع الاقتصادية السائدة في البلاد من ارتفاع الأسعار فيتحول المبلغ إلى رمزي وتشجيعي للمهندسين المختارين لقيادة هذه المهمة ولمستلزمات المدرسة من بذار وسماد وبعض المواد الأخرى,وسجل تعاون المزارعين نقطة إيجابية لمصلحة استمرار المشروع رغم العثرات الموجودة .

زيادة في الخبرة

وقال السيد أبو باسل -مزارع ومشارك في أول مدرسة حقلية أقيمت في منطقة جبلة -مدرسة ديروتان الحقلية (زيتون)-: أصبحنا أكثر خبرة بعد دخول المدارس الحقلية وتكّونت لدينا معرفة علمية بالأمراض التي تصيب حقولنا وطرق علاجها والأدوية وطريقة استخدامها مثال: مرض عين الطاووس الذي يصيب شجر الزيتون يتم رشه بعد جني المحصول وقبل الأزهار بمركب نحاسي ومبيدات فطرية.
ويضيف: رغم إن ايجابيات هذه المدارس واسعة جدا لكن هناك أفكاراً تطرح خلال المدرسة غير واقعية كالحديث عن عملية ري تكميلية للزيتون في مناطق وعرة باستخدام الآبار وهناك من الصعوبة بمكان إتمام هذه العملية لكون طبيعة الأراضي منحدرة, إضافة إلى أحاديث تدور عن تطور وسائل الإنتاج من دون أن يكون لها انعكاس على توفير المواد المنتجة، ومثال على ذلك معاصر الزيتون الحديثة يقولون في المدارس انها توفر كميات اكبر من الزيت ولكن في الحقيقة لا نرى زيادة في الإنتاج .

نقطة الانطلاق

طبق مفهوم المدارس الحقلية في سورية عام 2004 وبدأ في اللاذقية عام 2008 بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة العالمية التابعة للأمم المتحدة، وتعتمد المدارس الحقلية على التواصل المستمر بين المزارع ومشرف له ومساعد يكون معه في الحقل، مقدماً مجموعة من البدائل لممارسات تقليدية اعتادها المزارعون، كرشّ المبيدات من دون وجود حشرة أو آفة، أو التسميد العشوائي.
وتخضع الطريقة الجديدة إلى استخدام حقلين، الأول للتجربة والآخر يترك للمزارع الاهتمام به بحسب معلوماته التقليدية وبحضور مزارعين يتراوح عددهم حسب كل مدرسة بين 15 إلى 25, وتبدأ عملية توجيه المعلومات بشكلها الصحيح عبر لقاءات متواصلة تحدد لكل مدرسة وبحسب رأي المشاركين فيها, الانتساب يكون طوعياً وتكون المدرسة على هيئة حلقة تفاعلية تعتمد المساواة بين الموجودين وللكل الحق في طرح الأسئلة والمناقشة, وتستمر التجربة موسماً كاملاً وتقيم نتائج الحقلين المعدين للتجربة في نهاية الموسم حسب المحاصيل أو الأشجار المختارة.
في عام 2008 بلغ عدد المدارس اثنتين في اللاذقية أما في عام 2014 فوصل  عددها إلى 15 مدرسة من زيتون وحمضيات ثم تفاح وزراعات محمية وعضوية ونباتات طبية وعطرية، إضافة لمدرسة للأبقار وتحاول مديرية الزراعة البدء بأخرى خاصة بالنحل. بينما بلغ عدد المدارس المقترحة من قبل المديرية لهذا العام أيضاً 20 مدرسة بينها حمضيات عضوية وخضر مكشوفة.

تفاعل ينتظر اكتمال الثقة

تطورت هذه التجربة بشكل كبير وبدأت تأخذ جانباً من الثقة بين المزارعين والمهندسين ويقول المهندس نبيل جبور -رئيس قسم الموارد البشرية والإرشاد الزراعي في مديرية الزراعة في اللاذقية: إنه أسلوب تشاركي تعليمي وتفاعلي وتمكنا خلال السنوات السابقة من الوصول إلى مناطق المحافظة وتغطية قراها, لكن ازدياد أعمال العنف أدى إلى فرملة انتشارها في بعض المناطق الساخنة, مضيفا: الأزمة التي تمر فيها البلاد أثرت في كل شيء وأدت إلى تباطؤ نشر هذه الأفكار, ورغم ذلك نحن مستمرون بالعمل بهذا المجال ونطور في كل موسم عمل هذه المدارس وهذه السنة أدخلنا أنواعاً جديدة ونجهز لإقامة مدرسة للنحل.
ورغم أن وزارة الزراعة لم تكن في حالة غياب كامل عن المزارع، لكن بقيت هناك فجوة بين المزارعين الرافضين لفكرة التلقي وبينها, في ظل عدم الاتفاق على نقاط تفاهم لا تغير من واقع أن المزارع صاحب القرار الفاعل في مزرعته أو حقله, ولا احد يعمل على مصادرة رأيه أو خبراته المتراكمة أو التشكيك بها, بل العمل فقط على تصحيح خبراته بشكل عملي تشاركي يجنبه النفور ويلزمه تلقائيا بالعودة إلى معرفة المزيد من الطرق العلمية الزراعية الصحية.
وتتطلب إعادة الثقة بين المزارع والمهندسين في وزارة الزراعة وقتاً وجهداً إضافيين، رغم أنها حققت نقاط نجاح في هذا الاتجاه, ولاسيما أن مفهوم المدرسة الحقلية يرتكز على مبدأ أن المزارع هو مدير مزرعته أو حقله.
ويقول المهندس الزراعي جودت ملحم وهو مشرف على أكثر من مدرسة حقلية خلال السنوات السابقة: إن التحديات السابقة سرعان ما تغيب عندما يلمس المزارع نجاح المدرسة، والنتائج التي تمخّضت عنها التجربة، إذ أصبح ينضم إلى المدرسة مزارعون جدد بطلب منهم. ويضيف: من الأفضل أن يعمل كل مهندس في المنطقة التي ينتمي إليها، حيث يعرف أهلها وتقاليدهم وعاداتهم، وتالياً يخلق جواً من الصداقة معهم, وان لم يكن من المنطقة ذاتها يجب أن يكون على معرفة واسعة بالأهالي من خلال عمله بالوحدات الإرشادية في تلك القرى. ويؤكد ملحم ضرورة توفير جو الثقة والصداقة لنجاح التجربة, وكذلك تغيير اسمها في بعض الحالات ليصبح تجمعاً أو اجتماعاً أو لقاء أو أي مصطلح آخر بعيداً عن تعبير (مدرسة) الذي نفر منه بعض المزارعين من كبار السن.
ويشير ملحم إلى أن العمل على تطبيق هذا المفهوم أصبح أسهل، بحيث يمكن أن يتقدم المزارع باقتراحات بشأن مشكلات زراعية يعانونها، للوحدات الإرشادية، فيحدد بناءً عليها برنامج موسمي، ثم حقل تجارب يتيح للمزارع إمكانية اختبار الاقتراحات الجديدة، وتقويم نتائجها.
وتختلف تقنيات هذه المدارس من محصول لآخر، فمثلاً، تختلف التقنيات المستخدمة للخضر المحمية عن تلك المستخدمة للخضر المكشوفة. وقد تختلف التقنيات المستعملة للمنتج الزراعي ذاته من منطقة لأخرى.

دراسة

أكدت دراسة أجراها قسم البيولوجيا في جامعة تشرين رغبة المزارعين في اللاذقية بالاستمرار في المدارس الحقلية بنسبة وصلت إلى (89.6%)، رغبة منهم في الحصول على منتج نظيف وعلى معلومات جديدة وصحيحة باستمرار. وأبدى جميع المزارعين المشمولين في البحث رغبة في تعميم تجربة المدارس الحقلية على زراعات أخرى وبشكل خاص زراعة الحمضيات.
وأوضح معظم المزارعين المشمولين بالدراسة أن أكثر الأنشطة التي تقوم بها المدارس الحقلية هي تحليل النظام البيئي, وتحليل التربة, والإدارة المتكاملة للآفات, ومراقبة الأمراض.

الصعوبات

قلة التعاون والاهتمام وشح الدعم الذي قل خلال السنوات الأخيرة, ولاسيما المادي حيث لا يوجد دعم كامل, والقفزات الكبيرة التي حققها ارتفاع الأسعار أدت إلى خروج بعض البيوت من الزراعة بشكل كلي ما سبب اختراقاً لجهود التوعية التي كانت متواصلة منذ بدء تطبيق فكرة المدارس الحقلية في اللاذقية. ويتطلب العمل بهذا الاتجاه رفع تكلفة المبالغ المخصصة لهذا الغرض, كما يؤكد المهندس جبور ويقول: إنه ورغم الظروف الأمنية كانت المحافظة ستسجل نقلة نوعية نحو التوعية الزراعية وتحقيق الغرض من المدارس الحقلية وهو الوصول إلى منتج زراعي نظيف خال من الآثار المتبقية للمبيدات.
كما تقف بعض التحديات الأخرى أمام هذا المشروع، كقلة الانضباط والالتزام بالمواعيد, ما يتطلب من المهندس المشرف متابعة دائمة للمزارع.

للمزارعين مطالب أيضاً

طالبت مجموعة من المزارعين الذين اشتركوا في المدارس الحقلية بدعم الفكرة أكثر خصوصا في الوسائل المستخدمة في المدرسة (مرشات-وغيرها من الأدوات) وأن تبقى في القرى التي تحتضن المدارس.. وتالياً يستفيد منها كل أهالي تلك القرى عن طريق إشراف الوحدات الإرشادية والجمعيات الفلاحية. وأيضاً بتكليف مهندسي الوحدات الإرشادية بأخذ عينات من التربة وتحليلها في مخابر مديرية الزراعة لمعرفة الحاجات الأساسية من الأسمدة ونوعها بدل الرش العشوائي وتالياً توفير الكمية وعدم الهدر.
وفي زيادة عدد مدارس الحمضيات لكون المزارع في اللاذقية في أغلبها ليمون وزيتون، وطالبوا بوجود صيدليات زراعية بالوحدات الإرشادية تؤمن الأدوية الزراعية بسعر معقول وبالتسعيرة المطلوبة لمنع استغلال التجار الذين يتحكمون بالأسعار ووضع التسعيرة على الأدوية الزراعية.

أخيراً

رغم انتشار ثقافة المدارس الحقلية في اللاذقية, إلا أنها تواجه اليوم صعوبات في الحفاظ على المركز المتقدم الذي حققته وسط عزوف العديد من الناس عن الزراعة وحدوث بعض الانزياحات السكانية ما أدى إلى موت بعض المدارس التي كانت قائمة, وكذلك عدم قدرة الجهات الزراعية المعنية على تأمين مستلزمات النجاح الكاملة لأي مدرسة تقام, ويتم الاعتماد على ما تم تحقيقه لكون الفائدة المعرفية يمكن أن يتناقلها المزارعون من بعضهم بعضاً لاحقا في حال عدم توافر المدرسة الحقلية, وتالياً يكون الأثر مديداً بحيث لا يتوقف مفعولها المعرفي بمجرد توقف المدرسة.