لم يعد الجلوس من الصباح وحتى العصر داخل المحل أو أمامه يجدي نفعاً، فجيوب الموظفين وغيرهم من أصحاب المهن والحرف لن تمتلىء نقوداً لتفرح قلب بائع الذهب بشراء ولو قطعة من الذهب الذي خلا منه بعض المحال، بينما تكدس في محال أخرى لركود حركة الشراء مقابل زيادة الطلب على البيع، ولو كان ذهباً مطحوناً أو من أخف العيارات. فبعض التجار سئم وحاول البحث عن عمل آخر من دون جدوى لأنه لا يتقن أي مهنة غير بيع الذهب التي ورثها عن أجداده، بينما حفظ الكثيرون أغاني السيدة فيروز عن ظهر قلب وهم ينتظرون من يدخل محالهم ليشتري، ولايزال الأمل يرافق الكثيرين بتحسن الحال والأمل بالفرج القريب.

إذا لم نقل من بداية هذا العام فإنه منذ قرابة الشهرين وحال الصاغة في سوق الذهب في اللاذقية ليس على مايرام، فالذهب في ارتفاع والشراء إلى انخفاض و(الحالة تعبانة)، وما ينغص حالهم أكثر هو ارتفاع ضريبة الدخل منذ حوالي السنتين إلى أكثر من300%، ويقول بعضهم إنهم لا يجدون مسوغاً لارتفاعها، وإنها لا تتناسب مع أوضاعهم الحالية كما يقولون.

حفظنا أغاني فيروز

لا عرض ولا طلب، والوضع يزداد سوءاً هذا ما قاله الصائغ سامر زيدان صاحب أحد محال الذهب في الشيخ ضاهر معبراً عن استيائه من هذا الوضع الذي يرافقه منذ أكثر من شهرين إلى درجة أنه حفظ أغاني فيروز جميعها من كثرة الملل وتوقف العمل، متسائلاً: كيف سيتم تسديد القروض إذا ما استمر الوضع هكذا؟ ومن أين سيتم دفع الضريبة السنوية التي يزيد الهم مجرد ذكرها ؟

مضيفاً: موضوع السرقات الذي يتكرر ويكون الصائغ ضحيته يحتاج إلى حل، فكيف يمكنني أن أعلم أن القطعة التي أشتريها من المواطن مسروقة، فأدفع ثمنها مرتين مرة للمواطن والمرة الثانية عندما يكتشف أنها مسروقة.

كما تزعج قضية الذهب المسروق الصائغ سامر كذلك تزعج بقية الصاغة في السوق، فهي أكثر ما يقلقهم، هذا ما أكده الصائغ (ع. ق) الذي طلب من الجهة المسؤولة عن الموضوع النظر ودراسة الحالة أكثر قبل تطبيق القانون قائلاً: كيف للصائغ أن يعلم أن هذه القطعة مسروقة، وهل عليهم الشك بكل من يدخل محلاتهم بأن ما يعرضونه مسروق؟

وكيف بإمكانهم تطبيق مقولة: توخوا الحذر، كيف يكون هذا التوخي؟

«المحابس» أكثر بيعاً

الصائغ عدنان شعبو أكد أن حركة البيع ضعيفة نسبياً، وارتفاع أسعار الذهب الذي تتحكم به ضوابط الدولار الضعيفة أثر كثيراً في عملية الشراء، ليقتصر العمل حالياً على شراء بعض القطع الذهبية التي تتمثل بمحبس أو «سنسال» يبيعها من يقتنيها مستغلاً ارتفاع أسعار الذهب لعله يحصل على فروق تؤمن له بعض المال، أما الذين يشترون الذهب حالياً فهم قلة قليلة من المواطنين… وأضاف: ما يزيد الطين بلة ارتفاع ضريبة الدخل الذي لا أجد مسوغاً له، فنحن نعيش حالة عدم استقرار، ولا توجد حركة بيع، وأتمنى لو يعاد النظر به، بما يتناسب مع أوضاعنا في أكثر الأيام.

أكثر الذين دخلوا محل الصائغ غياث حيدر أثناء وجودنا فيه يرددون السؤال ذاته: (ممكن سوم هالمحبس أو السنسال؟) وهذا السؤال كما قال صاحب المحل يسمعه أكثر من 10 مرات في اليوم ممن يقصدون محله، مشيراً إلى أن الجمود يسيطر على العمل و(الحالة تعبانة).

انتعاش مقابل الجمود

في مقابل الجمود الذي يعيشه بيع الذهب ينتعش بيع المجوهرات والإكسسوارات التقليدية، حيث الإقبال كبير من قبل المواطنين وخصوصاً المقبلين على الزواج الذين يكتفون بحابس من الذهب للعروس وآخر من المجوهرات التقليدية للعريس، أما بقية القطع فيقتنونها إكسسوارات برازيلية أو روسية، حيث يصعب تمييزها عن الذهب الحقيقي الأصلي، وتمتاز بأشكال أكثر تفنناً من الذهب كما يقولون، إضافة إلى أنها أرخص بكثير من الذهب.

هذا ما تبين لنا خلال لقائنا بعضاً من المقبلين على الزواج حيث أكد محمد معروف أنه تم تأجيل خطبته عدة مرات بسبب وضعه المادي، وليس لديه القدرة على شراء أكثر من قطعة ذهب واحدة «محبس» لخطيبته، الأمر الذي دفعه لشراء محبس ذهب عيار 18 وصل سعره إلى 77 ألف ليرة سورية، وشراء الطوق والحلق من «الذهب» البرازيلي الذي يشبه الذهب الحقيقي إلى درجة كبيرة وهذا وفر عليه الكثير من المصاريف، وهذا حصل بالاتفاق مع خطيبته كما قال.

في حين اضطر الموظف(عيس.ع) لبيع «محبسه وحلق ومحبس زوجته والسنسال» وليرة ذهبية كان قد اشتراها في وقت «الرخص»، كما يقول، مستغلاً ارتفاع أسعار الذهب ليكمل إكساء منزله، وتأمل زوجته أن تعوض تلك القطع بمجوهرات تقليدية تشبه الذهب وأكثر جمالاً منه خاصة أنها وجدت من بين المجوهرات البرازيلية محبساً يشبه المحبس الذي ستبيعه.

مجوهرات مكفولة

إذا ما قمت بجولة بين المحال التي تبيع المجوهرات التقليدية رأيت أن (أحلى من الذهب) اسم لأحد محلات بيع المجوهرات التقليدية، و(ذهبك من عنا) (مجوهرات مكفولة وألوانها ثابتة ما بتتغير) عبارات في محال بيع المجوهرات التقليدية البرازيلية والروسية، كفيلة بأن تجذب إليها كل راغب بشرائها.

وفي لقاء «تشرين» مع بعض أصحاب محلات بيع المجوهرات التقليدية قال عدنان سعيد صاحب أحد محلات المجوهرات التقليدية مازحاً: (يوم لك ويوم عليك)، في إشارة لانتعاش أعمالهم قياساً بأصحاب محلات الذهب، وأضاف: الإكسسوارات والمجوهرات التقليدية مرغوبة من قبل الكثيرين، ولها من يشتريها في حال ارتفع الذهب أو انخفض سعره، ومنذ ثلاثة أشهر حتى الآن الإقبال جيد جداً، وكل من يدخل المحل يشتري، ولا يمكن تمييزها عن الذهب لهذا تلقى إقبالاً.

كما أكدت صاحبة أحد محال المجوهرات التقليدية في الشيخ ضاهر أن الإقبال كبير وعملية البيع جيدة، ففي إمكان أي شخص أن يشتري «طقماً» من هذه الاكسسوارات (محبس وسنسال وبلاك وحلق) بمبلغ لا يقل عن 3000 ليرة سورية، ولا يزيد على 10 آلاف ليرة، وهي مكفولة لا يتغير لونها، فضلاً عن أن أسعارها تتناسب مع الوضع الاقتصادي للمواطنين، مشيرة إلى أنه تتم مراعاة الوضع المادي لمن يشتري وتخفض له الأسعار قدر الإمكان، فأحوال من يريدون الزواج حالياً صعبة ولاسيما من يؤدون الخدمة الاحتياطية، وهؤلاء أكثر من يقصدنا.

بينما أكدت صاحبة أحد محال الإكسسوارات التقليدية في سوق (العنابة) أن سعر القطعة منها يحكمه النخب والنوعية، إذ تبدأ الأسعار من 1000 ليرة سورية وحتى 25 ألف ليرة سورية أو أكثر بقليل.. وأضافت: حتى الإقبال على هذه الإكسسوارات يصيبه الفتور، فحال المواطنين لم يعد يساعدهم حتى على اقتناء هذه الإكسسوارات برغم أن الكثيرين يفضلونها على الذهب لانخفاض أسعارها وتعدد موديلاتها، ودائماً يبحثون عن الأرخص والأجمل وهذا غير ممكن في كثير من الأحيان.

يذكر أن بيع المجوهرات التقليدية انتشر بشكل كبير في أسواق اللاذقية ويباع أحياناً في محلات بيع الألبسة ومحلات بيع المكياجات، بأشكال جميلة وقطع متنوعة تضاهي القطع الذهبية، أضف إلى ذلك أن العشرات من الزبائن يرغبونها لحل أزمة الزواج والمهر أومن قبيل الموضة ويتباهون بارتدائها، وخلال جولتنا على بعض محال بيع المكياجات والإكسسوارت في بعض المناطق الشعبية وجدنا أن بعض الباعة يطلقون على هذه الإكسسوارات اسم (ذهب برازيلي أو إيطالي أو روسي) ويشجعون الناس بهذه الكلمة على الشراء، برغم أن محال تلك الإكسسوارات غابت عنها كلمة ذهب إلا أنه أثناء عملية البيع تسبق كلمة «ذهب» كلمة «إكسسوارات» ويتم بيعه على هذا الأساس.

ندرك ما يعانون

قلص الكثير من أصحاب محلات الذهب محتويات محلاتهم، فبعضهم لا يحوي محله إلا قطعاً محدودة، والكثير منهم تكدس الذهب على واجهات محالهم بانتظار الفرج، هذا ما أشار إليه رئيس الجمعية الحرفية للصياغة والمجوهرات في اللاذقية مروان دبّاح، الذي يرى أن الارتفاع اليومي للذهب بنحو 300 ليرة سورية يشلُّ عملية الشراء عند المواطنين الذين لا يكفي راتبهم لشراء غرام واحد منه.

مشيراً إلى أن ارتفاع ضريبة الدخل بنسبة 300% أرهقت الصاغة، ولاسيما أن حالهم هذه الأيام لا يحسدون عليها، قائلاً: إذا كان الصاغة ليس لديهم دخل في ظل هذا الوضع فلماذا عليهم أن يدفعوا ما يسمى ضريبة الدخل، فاسمها ضريبة دخل، إذا كان هناك دخل يدفع الصائغ ضريبة.

وعن موضوع السرقات وما يتعرض له الصاغة من احتيال ممن يسرقون الذهب ويبيعونه، بين دبَاح أنه منذ 22 عاماً عندما استلم عمله رئيساً للجمعية وهم يناقشون هذا الموضوع مع عدد من المحامين العامين الذين تناوبوا على المحكمة في المحافظة، ومع عدد من الجهات المعنية بهذا الموضوع، وكان الجواب في كل نقاش أنه وفقاً للقانون (السرقات تسترد)، مشيراً إلى أن هذا الموضوع يحتاج مناقشة في مجلس الشعب ووزارة العدل، واتخاذ القرار المناسب بما يصون حقوق الصاغة، منوها بتعامل البعض مع بائعين يدركون أن الذهب الذي يشترونه منهم مسروقاً وهنا القانون لا يحمي المغفلين، في حين شدد على ضرورة توخي الحذر في التعامل مع من ليس لهم ثقة به ومعرفة مع من يتعاملون، وفي رده على سؤالنا: أين دور الفاتورة في ذلك؟ أجاب: الفاتورة ليست ضماناً للصائغ لأنه من الممكن أن تكون مسروقة أيضاً مع الذهب.

وفي السياق ذاته بين دباح أنه تم منع أصحاب محال بيع المجوهرات التقليدية من كتابة كلمة «ذهب» على واجهات محلاتهم، وأن يلتزموا بكتابة (إكسسوار)، مضيفاً أن ما يروّج له بأنه «ذهب» روسي وبرازيلي ليس ذهباً، بل مجوهرات تقليدية، ومعدن لا قيمة له، ولا توجد لها تسعيرة عندنا، مشيراً إلى أنه حفاظاً على سمعة الذهب بدأت منذ عدة أشهر حملة مخالفة المحال التي تروّج لهذا النوع ومنعها من تداول عبارة «ذهب»، وذلك بالتعاون مع مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك، وتم تنظيم عدة ضبوط بحق المحال المخالفة.

الفاتورة هي الضمان

نقيب المحامين في اللاذقية المحامية آمنة ميني قالت: في حال شراء الذهب المسروق يحاسب السارق والصائغ الذي يشتري الذهب، وفقاً لقانون العقوبات العام، ولحل هذا الأمر يدفعون ثمنها لكيلا يسجنوا، مشيرة إلى أنه لتفادي وقوع مثل هذه الحالات يجب على الصاغة أن يثبتوا أنهم اشتروه نظامياً، وهذا الأمر يصعب تحقيقه في كثير من الأحيان، لأن معظم الصاغة يشترونه من بعض المارة، وهم في الأصل لا يعرفونهم ولم يتعاملوا معهم من قبل، وبالتأكيد الفاتورة غير موجودة، أضف إلى ذلك أن بعض الذهب يكون قديماً يحتفظ به بعض الناس منذ عشرات السنين ولا يحملون فاتورة أيضاً وهذا منتشر بشكل كبير، وعندما يشتري الصائغ الذهب من الناس فإنه ييسر أمورهم وهذا يحسب له لأنه سهل أمر الناس المحتاجين، وكذلك يحسب عليه أنه لا يوجد إثبات أنه اشتراه لأنه لا توجد فاتورة، وهو أصلاً لا يعرف هؤلاء وحسب القانون يجب أن تكون الفاتورة موجودة أثناء البيع والشراء، وأحياناً يتغاضون عن هذا الأمر، وهنا لا يطبقون القانون.

وعندما يشتري الصائغ الذهب من دون فاتورة ويعرض نفسه لهذه المواقف، تقول ميني: للأسف إن بعض الصاغة يطمعون بشراء الذهب الرخيص ممن لا يعرفونهم، وهذا يوقعهم في الكثير من الأحيان في عملية نصب يتبين بعدها أن القطع الذهبية مسروقة.

وأمام هذا وذاك شددت نقيب المحامين على ضرورة أن يكون الصائغ على ثقة تامة بأن الشخص الذي يشتري منه ليس نصاباً، وأن يتريث قبل شراء الذهب الرخيص ولا يطمع برخصه، كما أكدت ضرورة التعامل بالفاتورة لأنها تنقذهم من هذه المواقف في كثير من الأحيان، فالقانون لا يحمي المغفلين وسيطبق القانون في جميع الحالات، وهذه المواقف التي يتعرض لها الصاغة لا يمكن توصيفها بغير السرقة التي يحاسب عليها قانون العقوبات العام رغم أن الصائغ ليست له علاقة، ولكن هذا القانون الذي يطبق.

 

 

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع