وهذا الأمر أصبح واقعاً ملموساً ولاسيما خلال السنوات الأخيرة من عمر الأزمة, فرض على الحكومة والفعاليات الخاصة البحث عن البدائل والاستفادة ما أمكن من المكون الداخلي لإعادة رسم خريطة صناعية تعتمد على الإمكانات الذاتية لكل قطاع إنتاجي من جهة, وتأمين البيئة التشريعية الملائمة من جهة أخرى, التي تسمح بإعادة سريعة للمنتجات المحلية إلى أسواقنا وفق عاملين، أولهما استثمار القائم منها وتنفيذ الصيانات المطلوبة, والثاني يكمن في إعادة تأهيل المنشآت الصناعية التي تضررت بفعل الإرهاب وفق استراتيجية واضحة تحدد من خلالها نسبة الضرر, وآلية الدعم الحكومي وبرنامج الإنفاق المطلوب وفق ما تقرره لجنة إعادة الإعمار, هذا ما أكده مصدر خاص لدى وزارة الصناعة خلال لقائنا معه حول البيئة التشريعية والإجراءات والقوانين التي صدرت خلال سنوات الحرب ولاسيما خلال العام الماضي وحتى تاريخه, التي تضمن إقلاعاً جديداً للصناعة المحلية وعودة الألق من جديد للمنتج المحلي.
عودة سريعة
وأضاف المصدر: إن عودة حوالي 110 آلاف منشأة صناعية للإنتاج لم تكن لولا تضافر جهود حكومية وفعاليات القطاع الصناعي الخاص، وذلك من خلال تشريعات وقرارات وقوانين شجعت على العودة السريعة لقطاعات إنتاجية مختلفة، أهمها قطاع الصناعات الغذائية والنسيجية, والكيميائية وحتى الأدوية والصناعات الهندسية, وغيرها من الصناعات التي عاودت النشاط بصورة مستمرة لتأمين حاجة السوق المحلية من جهة, وعودة سريعة أيضاً للنشاط التصديري الذي شهد حالة من التطور ولاسيما من قبل القطاع الخاص الصناعي, الذي شجع على ذلك صدور القانون رقم 26 للعام 2018 والقاضي بإعفاء أصحاب الأعمال المشتركين لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية من الفوائد والمبالغ الإضافية المترتبة عليهم بدءاً من 15/1/2018 وحتى 4/1/2019, وبعد النتائج الإيجابية التي حققها القانون وإفساح المجال أمام أكبر عدد من المشتركين للاستفادة من أحكام.
فقد تم تمديد القانون حتى نهاية العام 2020, وذلك بموجب قانون جديد حمل رقم 1 للعام 2019, وهذا بدوره يعطي الصناعيين فرصة جديدة لتسوية أوضاع منشآتهم الصناعية بسبب تعثر العديد منهم عن دفع المستحقات المالية, وضمان حقوق العمالة المشتغلة فيها.
وتالياً صدور القانون رقم 18 لا يقل أهمية عن سابقه والمتضمن إعفاء الصناعيين والحرفيين المخصصين في مقاسم بالمدن الصناعية المنتهية مدة تراخيصهم والراغبين بتجديدها من رسم تجديد رخص البناء, ما شجع عودة الكثيرين منهم والاستفادة من الإعفاء والإسراع في استكمال بناء منشآتهم ودوران عجلة الإنتاج فيها, ما عزز هذا الأمر أيضاً صدور القانون رقم 14 الذي أعفى البضائع المنتجة محلياً من رسم الإنفاق الاستهلاكي, ما يسهم في تعزيز التنافسية, وتشجيع التصدير والصناعيين على الإنتاج بمواصفات عالمية بهدف التصدير.
ورأى المصدر خلال حديثه أن صدور المرسوم رقم 172 تاريخ 13/6/ 2017 أعطى دفعاً مميزاً للقطاع الصناعي على اعتبار أن المرسوم تضمن تخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 50% على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات المحلية, وتالياً فإن ميزة المرسوم تكمن في شموليته المواد الأولية ومدخلات الإنتاج, وقد شملت مظلة الدعم طيفاً واسعاً من المواد الصناعية التي كان لها الدور الكبير في تسريع عجلة الإنتاج الصناعي من جهة, وانخفاض الأسعار في الأسواق المحلية من جهة أخرى, وذلك حسبما تشكله قيمة المواد الأولية ومدخلات الإنتاج من التكلفة النهائية لهذه المنتجات, إضافة إلى تحسين واقع الصادرات, وافتتاح منشآت صناعية جديدة, تستوعب عمالة وافدة, والأهم أنها تحقق فرصاً تنافسية للمنتجات المحلية وتقليل فاتورة الاستيراد للمواد الجاهزة .
إعفاءات
والترجمة الأكثر أهمية لهذه التشريعات التي حققت أيضاً نتائج مهمة على الواقع الصناعي ترجمت القانون رقم 25 للعام 2017 بصورة فعلية على أرض الواقع تضمنت الإعفاء من الفوائد والغرامات والجزاءات المترتبة على مكلفي الأرباح عن أعوام 2015 وما قبل عن أعوام 2016 لمكلفي الدخل المقطوع وبقية الضرائب والرسوم المباشرة الأخرى ورسم الإنفاق الاستهلاكي, وتقسيط الضرائب على المكلفين الذين تقع منشآتهم في المناطق المتضررة مدة ثلاث سنوات من دون فوائد وغرامات, والتخفيف أيضاً عن مكلفي الأرباح الحقيقية وإعطائهم الفرصة لتسديد الذمم المترتبة على منشآتهم الصناعية من دون فوائد أو جزاءات، وتالياً تمكنهم من تأمين مستلزمات عملهم لاستمرار العملية الإنتاجية لديهم .
تبسيط
لكن صدور بلاغات عن مجلس الوزراء أيضاً كان لها وقعها الخاص على البنية الصناعية ولاسيما التي تصدر في أوقات حرجة تمر فيها الصناعة وتحتاج مزيداً من الاهتمام واليسر في العمل ولاسيما البلاغ رقم 4/15/ 2017 المتضمن الضوابط والتعليمات الناظمة لتسوية أوضاع المنشآت الصناعية القائمة والمستثمرة لمنحها الترخيص الاداري المطلوب, والاستمرار في تشغيل المنشآت وتبسيط إجراءات منح التسهيلات لتأمين المواد الأولية لتتمكن من رفد الطاقات الإنتاجية لديها, وقضى تعميم آخر لا يقل أهمية عن غيره في رأي المصدر حيث سمح باستيراد الآلات والتجهيزات وخطوط الإنتاج الصناعية (المستعملة والمجددة) من بلد المنشأ أو من غيره ومن دون التقيد بعمرها ولكل المستوردين وذلك بالاتفاق مع الصناعيين وبما يخدم مصلحتهم الإنتاجية, وهذا بدوره يشجع أصحاب المعامل والمنشآت الصناعية على إعادة تشغيل معاملهم, وإقامة صناعات جديدة وتطوير المعامل القائمة وتكبير حجمها تلبية لحاجات السوق, ودعم العملية الإنتاجية وتمكين الصناعيين من استبدال الآلات المتعطلة لديهم, الأمر الذي انعكس بصورة إيجابية على تطوير المعامل القائمة لإنتاج منتجات متنوعة تلبي حاجة السوق المحلية, بدلاً من استيرادها بما يسهم في توفير القطع الأجنبي وتخفيف قيمة فاتورة المستوردات للمواد المصنعة.
تعزيز
ووجد المصدر في حديثه أيضاً مناسبة أيضاً للتذكير ببعض البلاغات والإجراءات التي اتخذت لدعم المنتج الصناعي في ظل ظروف صعبة أوجدتها الحرب وتدمير العصابات الإرهابية لآلاف المنشآت الصناعية منها على سبيل المثال لا الحصر، صدور القرار رقم77 تاريخ 17/12/2017 بخصوص منح الترخيص الإداري للمنشآت القائمة والمستثمرة غير الحاصلة على الترخيص الإداري إذناً بمزاولة نشاطها بشكل مؤقت ومدة سنتين ريثما تتم تسوية أوضاعها, وذلك بقصد استمرار تشغيل هذه المنشآت, وتشجيعها على الاستمرار في عملها وتشغيلها وفق الطاقات الممكنة وتلبية حاجة السوق المحلية من المنتجات.
كما تمت الموافقة على تعديل مدة إجازة الاستيراد للصناعيين والتجار من ستة أشهر إلى سنة من أجل تبسيط الإجراءات ومنح مدة كافية لاستيراد مستلزمات الإنتاج المحددة بموجب الإجازة, والأهم السماح بتأمين حوامل الطاقة للمنشآت الصناعية عن طريق غرف الصناعة واستيراد المشتقات النفطية لتأمين الحاجة الفعلية لها لضمان عملية استمرار العملية الانتاجية بالصورة الصحيحة, ناهيك بصدور عدد آخر من البلاغات والقرارات الحكومية التي من شأنها مساعدة المنتج المحلي على النمو والتطور والبقاء في السوق المحلية.
ودعماً أكثر وحماية للصناعة الوطنية يتم العمل حالياً على تحديد الحد الأدنى لقيم المستوردات (أسعار استرشادية تأشيرية) التي لها مثيل من الإنتاج المحلي, وإعادة النظر في الرسوم الجمركية المفروضة على المواد الأولية الداخلة في الصناعة من خلال لجنة ترشيد التعرفة, والاستمرار في سياسة ترشيد استيراد المنتجات المصنعة محلياً التي تكفي حاجة السوق المحلية التي من شأنها دعم وحماية المنتج المحلي وتعزيز قدرته التنافسية, وتوفيره بأسعار تنافسية في السوق المحلية, والأهم توفير القطع الأجنبي من خلال الحد من ظاهرة استيراد المنتجات الجاهزة.