أي عمل عسكري أمريكي على الأراضي السورية هو عدوان، موقف سوري واضح ومعلن جاء متقاطعاً مع موقف روسي أكدت بموجبه الخارجية الروسية أن توجيه ضربات جوية لمواقع تنظيم ما يسمى «داعش» الإرهابي في الأراضي السورية من دون موافقة الحكومة السورية والأمم المتحدة سيعد عملاً عدوانياً.

هذا الموقف جاء إلى جانب تشديد صيني على احترام سيادة واستقلال الدول، كل ذلك بمنزلة الرد على نية أوباما في إطار ما سماها «خطة» لمواجهة تنظيم «داعش» وقوله بعدم التردد بضربه في سورية والعراق وهو ما لاقى تحفظات من داخل ما يسمى «حلف أوباما» حيث أعلنت بريطانيا وألمانيا أنهما لن تشاركا في ضربات عسكرية جوية داخل الأراضي السورية، في حين أكدت طهران أن بعض الدول داخل «الائتلاف الدولي» من داعمي الإرهابيين مالياً وتسليحياً في سورية والعراق. لم يأت أوباما بجديد، ولم يفاجئ أحداً بكلمته، فأفعاله تسبق أقواله وخاصة فيما يتعلق بالتسليح والتمويل لمن يعتبرهم «معارضة معتدلة» بل مضى في الطريق الخطأ نفسه مرة أخرى لكن هذه المرة ثمة نيات مبيتة على ما يبدو انطلاقاً من مواقفه ومعاييره المزدوجة.
فقد أكد ألكسندر لوكاشيفيتش المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية أن توجيه الولايات المتحدة ضربات جوية لمواقع تنظيم «داعش» الإرهابي في الأراضي السورية من دون موافقة رسمية من الحكومة السورية وتفويض من الأمم المتحدة سيعد عملاً عدوانياً ضد سورية.
وقال لوكاشيفيتش في تصريحات للصحفيين في موسكو أمس: إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أعلن عن إمكانية تنفيذ ضربات عسكرية على مواقع تنظيم «داعش» الإرهابي في سورية من دون موافقة الحكومة الشرعية، مشدداً على أنه من شأن هذه الخطوة في غياب قرار من مجلس الأمن الدولي أن تكون عملاً من أعمال العدوان وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، مبيناً أن أي عمل ضد مواقع «داعش» يجب أن يجري على أساس احترام القانون الدولي وسيادة سورية.
وأضاف لوكاشيفيتش: هناك ما يبرر الاعتقاد باحتمال تعرض القوات السورية في هذه الحالة للهجوم مع ما سيتبع ذلك من عواقب خطرة ينتج عنها المزيد من التصعيد.
وأوضح لوكاشيفيتش أن موسكو تتمسك بحقيقة أن الولايات المتحدة غضت الطرف منذ وقت طويل عن تصرفات العناصر الإرهابية المتطرفة في سورية على أساس إمكانية استخدامها في «إسقاط الحكومة السورية» الشرعية وأخيراً أدركت حجم الكارثة التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط بأكملها تقريباً.
وبيّن لوكاشيفيتش أن الإرهابيين المتطرفين في سورية لا يختلفون عن أمثالهم في العراق، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة اعترفت بالخطر الإرهابي إلا أنها فعلت ذلك فقط بعد قيام الإرهابيين بفرض سيطرتهم على مناطق واسعة في العراق.
وأشار لوكاشيفيتش إلى أن بلاده تعتبر تمسك واشنطن بازدواجية المعايير الخاصة بها والظاهرة في محاولتها لاستبدال العمل الجماعي الحقيقي في مكافحة الإرهاب الدولي بهذه المناورات الغامضة والتي تستبين فيها بوضوح النزعة الصدامية والإيديولوحية أسوأ ما في الأمر، مستنكراً التناقض في موقف الرئيس الأمريكي الذي يقدم مساعدات للحكومة العراقية في مواجهة الإرهابيين المتطرفين ويطلب في الوقت ذاته من الكونغرس تخصيص 500 مليون دولار لدعم «المعارضة» السورية المسلحة التي لا تختلف كثيراً في أغلبيتها عن المتطرفين في تنظيم «داعش» الإرهابي.
بدورها دعت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشون يينغ الولايات المتحدة إلى احترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي الدول المعنية مع إعلان الرئيس الأمريكي باراك أوباما توسيع الضربات الجوية على تنظيم «داعش» الإرهابي.
ونقلت وكالة الأنباء الصينية «شينخوا» عن هوا قولها ردّاً على سؤال حول إعلان أوباما بذل جهود مطردة لا تلين لاقتلاع متطرفي «داعش» في العراق: إننا نرى أن القانون الدولي ينبغي أن يحترم في الحرب الدولية ضد الإرهاب إلى جانب احترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي الدول المعنية.
وأضافت هوا: إن الحرب الدولية ضد الإرهاب تشهد في الوقت الحالي وضعاً صعباً ومعقداً فمنذ ظهور الإرهاب الدولي لم يتم القضاء عليه من جذوره كما أن اضطرابات مزمنة في بعض المناطق أتاحت فرصاً لأنشطة قوى الإرهاب الدولية.
وأشارت هوا إلى أن هذه العوامل أدت إلى تهديدات جديدة للأمن والاستقرار الدوليين وتحديات جديدة للحرب الدولية ضد الإرهاب.
وأوضحت هوا أن الصين تعارض بشدة أي شكل من أشكال الإرهاب، مؤكدة أن على المجتمع الدولي محاربة هذه الظاهرة بصورة مشتركة ودعم الجهد الذي تقوم به الدول المعنية للحفاظ على الأمن والاستقرار الداخليين.
و قالت هوا: نأمل في ظل الجهود المشتركة للمجتمع الدولي بأن تستعيد الدول المعنية النظام والاستقرار بأسرع ما يمكن وتتمكن من تحقيق المصالحة والسلام والتنمية وهذا سيساعد في القضاء على صعود الإرهاب في بقية الأماكن ويساعد على تحقيق السلام والاستقرار المستدامين في المنطقة.
وأشارت هوا إلى أن الصين على استعداد للتمسك بمبدأ الاحترام المتبادل والمساواة والتعاون لتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب مع بقية المجتمع الدولي والحفاظ على السلام والاستقرار العالميين.
وكان الرئيس الأمريكي قد أعلن «خطته» لمواجهة ما يسمى تنظيم «دولة العراق والشام» الإرهابي، مشيراً إلى أن قواته ستوسع الغارات ولن تتردد في ضرب «داعش» في سورية والعراق.
ولم يفاجئ الرئيس أوباما شعوب المنطقة بكلمته التي أعلن فيها عن خطته المزعومة، إذ إنها لم تخرج عن التوقعات ولاسيما أنها أكدت رغم استخدامه كالعادة عبارات قوية توحي بأن واشنطن تريد القضاء على هذا التنظيم، عدم جديّة إدارته في مكافحة الإرهاب واستمرارها في سلوك الطريق الخطأ لمجابهة هذا التنظيم الذي تتحمل إدارته مع أتباعها مسؤولية إيجاده وخطورة انتشار إجرامه ليطول العالم بأسره.
وواصل أوباما الادعاء في كلمته التي أقر فيها بأن خطر تنظيم «داعش» قد ينتقل إلى خارج المنطقة ويشكل تهديداً حقيقياً للولايات المتحدة وأوروبا بأن بلاده ستواجه هذا الخطر بحزم وتصميم وستتخذ الإجراءات لوقف تقدمه، إلا أنه اكتفى بالحديث عن توسيع الغارات التي تشنها الولايات المتحدة منذ شهر في العراق ضد التنظيم لتشمل أيضاً سورية وإرسال عدد من الجنود لمساعدة العراقيين دون مهمات قتالية، مبتعداً عن المسلك الناجح لمكافحة الإرهاب الذي يدعو بداية إلى العمل على تجفيف منابعه ومعاقبة من يموّله ويمده بالأسلحة ويرعاه والتعاون مع جميع حكومات المنطقة للتغلب على هذا الخطر.
إلا أن أوباما وبدلاً من أن يعلن عن مثل هذا التعاون عبّر مجدداً عن حقيقة تحرك إدارته المزعوم ضد الإرهاب من خلال الاستمرار في اتباع المعايير المزدوجة والتمييز بين الإرهابيين وهو ما أوصل المنطقة إلى هذا الدرك من الإرهاب، إذ اعتبر أنه وبدلاً من التعاون مع الحكومة السورية يجب العمل على دعم من سماهم «المعارضة المعتدلة» التي تمارس الإرهاب حتى الآن وفق الرؤية والمصالح الأمريكية.
وتجاهل أوباما الذي اعترف بوجود مئات الأوروبيين والأمريكيين والأجانب الذين انضموا لتنظيم «داعش» الإرهابي واحتمال عودتهم إلى بلدانهم لشن هجمات داخلها أن من يسميها تنظيمات «المعارضة المعتدلة» ودعمتها واشنطن انضوى عدد كبير منها في القتال إلى جانب تنظيم «داعش» الإرهابي وقد حذّر سابقاً العديد من المسؤولين الأجانب من مغبة تزويد هذه التنظيمات بالأسلحة لخطورة وقوعها لاحقاً في أيدي إرهابيي تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة» الإرهابيين وهو ما حصل فعلاً، بينما تؤكد المعلومات الأخيرة المتوافرة أن الصحفي الأمريكي المختطف ستيفن سوتلوف الذي ذبحه التنظيم بكل وحشية كان في أيدي التنظيمات التي تسميها واشنطن «معتدلة» وقد تم بيعه لـ«داعش» وفق ما أكدته عائلته.
وتكشف خطة أوباما في هذا الجانب نيات إدارته التي حذرت منها أوساط دولية ودبلوماسية، إذ ترى أن واشنطن تريد من التحالف المزعوم ضد الإرهاب في المنطقة العمل على تحقيق ما فشلت في تحقيقه من أجندات خلال السنوات الماضية وليس العمل بنية صادقة لمكافحته.
ووفق محللين سياسيين فإن حديث أوباما عن تحركه ضد تنظيم «داعش» من دون أي تنسيق مع الحكومة السورية وبعيداً عن فشل هذا التحرك المحتم فإنه سيكون عدواناً بما ينص عليه القرار الأممي رقم 2170 الذي لا يعطي تفويضاً لأحد بالعمل منفرداً ضد أي دولة وهو ما شدّدت عليه أيضاً سورية، حيث أكدت بعد أن أعلنت استعدادها للتعاون مع أي جهد دولي لمكافحة الإرهاب أن أي خرق للسيادة السورية من أي طرف هو عدوان.
وعند كل حديث عن العدوان تطل بطبيعة الحال مجموعات «المعارضة» الداعمة للإرهاب، حيث رحب سريعاً ما يسمى «الائتلاف المعارض» بخطة أوباما المزعومة وأعلن دعمه لها، إلا أنه حث صراحة على ضرورة «ضرب الدولة السورية» وذلك في صورة مكررة على مطالبة هذا القطيع إدارة أوباما في العام الماضي بالعدوان على سورية وقصفها قبل أن يبين في بيانه أن مجموعاته الإرهابية يمكن أن تنجح لكنها بحاجة للدعم اللازم الذي سيخولها تشكيل قوة يمكن الاعتماد عليها ومجهزة بشكل جيد.
وبالعودة إلى خطة أوباما المزعومة التي ستعتمد بشكل أساسي على الضربات الجوية ضد مواقع التنظيم فإنها وفق العديد من المحللين السياسيين لن تكون كافية ولن تحقق الغاية المرجوة إذا لم تترافق مع تجفيف منابع الإرهابيين وضبط الحدود المجاورة للعراق وسورية ووقف تمويل الإرهابيين.
في حين تبرز من جهة تنفيذ الغارات الجوية العديد من الأسئلة وفق قناة «سي.إن.إن» الأمريكية، إذ إن هذه الغارات المستمرة منذ أكثر من شهر في العراق لم تستهدف حتى الآن أيّاً من القادة الكبار للتنظيم، وهو ما جعل منتقدي الإدارة الأمريكية يستشيطون غيظاً، حيث يرون أن على القوات الأمريكية أن تضع الكثير من الضغوط على متزعمي «داعش» وبشكل خاص زعيمهم «أبو بكر البغدادي».
ووفق القناة الأمريكية فإن «أبو بكر البغدادي» لم يوضع كهدف من أهداف الطائرات الأمريكية حتى الآن، لافتة إلى أن أي مهمة لقتله يجب أن يوافق عليها الرئيس أوباما.
وبينما تتساءل القناة عن سبب عدم توجيه الرئيس الأمريكي أي أوامر حتى الآن بشأن استهداف البغدادي؟ وهل ذلك مرتبط بعدم وجود مخابرات جيدة بما فيه الكفاية لتفوض بشن غارة جوية على البغدادي؟ يرى محللون ومتابعون لتطورات الأوضاع في المنطقة أن سياسة أوباما تقوم حالياً على الاستفادة من تنظيم «داعش» الإرهابي ومحاولة تنفيذ أجندات إدارته بعيداً عن كل الأخطار الحقيقية المحدقة بسبب عدم مجابهة هذا التنظيم الإجرامي بالطريقة الصحيحة والذي لن يقتصر خطره على المنطقة فحسب وإنما سيشمل كل دول العالم.
في غضون ذلك أعلن وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند أمس أن بلاده لن تشارك في توجيه ضربات عسكرية جوية داخل الأراضي السورية، مذكراً برفض مجلس العموم البريطاني التدخل العسكري في سورية خلال تصويت أجراه العام الماضي.
وقال هاموند في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير في برلين ونشرت تفاصيله وكالة الصحافة الفرنسية: لنكن واضحين بريطانيا لن تشارك في ضربات جوية في سورية.
وأضاف هاموند: سبق أن أجرينا هذا النقاش في البرلمان العام الماضي ولن نعيد النظر في هذا الموقف من دون التطرق إلى إمكانية مشاركة بلاده في شن ضربات جوية داخل العراق.
وأكد هاموند دعمه الكامل لسياسة الولايات المتحدة القاضية بتشكيل تحالف إقليمي ودولي لدعم حكومة العراق حسب تعبيره، مضيفاً: إن المملكة المتحدة ستبحث بدقة كيفية توفير المساهمة الأفضل في التحالف الدولي ومن الجلي أننا سنساهم فيها.
من جانبه أكد وزير الخارجية الألماني أن بلاده لن تشارك في أي غارة جوية سواء في سورية أو العراق وقال بوضوح شديد: لم يطلب منّا ذلك ولن نفعل.
بالتوازي أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإيرانية مرضية أفخم أن بعض الدول الموجودة  داخل «الائتلاف الدولي» لمكافحة الإرهاب كانت من داعمي الإرهابيين مالياً وتسليحياً في سورية والعراق والبعض الآخر من هذه الدول لم يعمل بمسؤولياته الدولية في مواجهة التنظيمات الإرهابية على أمل حدوث تغييرات سياسية كانوا ينشدونها في سورية والعراق.
وشدّدت أفخم في تصريح لها أمس على أن «الائتلاف الدولي» لمكافحة الإرهاب وتنظيم «داعش» الإرهابي الذي تشكل إثر قمة حلف شمال الأطلسي «ناتو» يواجه إبهامات جادة وعديدة وهناك شكوك أساسية حول جديته في المكافحة الجذرية والصادقة لظاهرة الإرهاب.
وقالت أفخم: إن سياسات الغرب خلال السنوات الماضية وانتهاج سياسة ازدواجية المعايير والاستفادة من الإرهاب والتطرف كأداة لتحقيق غايات لم تنتج سوى تفشي الإرهاب والتطرف وظهور تنظيمات إرهابية جديدة في مختلف المناطق من العالم.
كما أكدت المتحدثة أن قيام الدول المنضوية في «التحالف الدولي» لمكافحة الإرهاب بإجراءات استعراضية في هذا المجال ما هو إلا لتحسين تاريخها المعروف بدعم الإرهاب والإرهابيين، داعية هذه الدول قبل القيام بإجراءاتها الاستعراضية والاستفادة منها سياسياً إلى الابتعاد عن ازدواجية المعايير وإثبات الصدق في ادعاءاتها لمحاربة جماعية وشاملة للإرهاب والتطرف.

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع