الجرح واحد والمصير واحد، لمت الالام منا شملنا، نعم فارض الشام طهر و والعراق وثراه عبق الطهر و ما من عربي اصيل إلا ويعرف انهما الشام والعراق جناحا هذه الامة بهما تحلق وتعلو، بهما يسمو الجميع،

وهما مهد العطاء والحضارة، ولهذا ليس غريبا أن يأتي مغول العصر من كل حدب وصوب ليضرموا نار احقادهم في كل شبر من هذه الارض المباركة، من الغزو الاميركي للعراق عام 2003م وما جره من كوارث ومآس على العالم كله، وكيف ولد الحركات الارهابية فيما بعد وغذاها بكل اسباب القوة، غلى ما نراه اليوم على ارض الواقع، نعم انها الشام التي كانت وستبقى موئل الشعر والشعراء وملاذا لكل عربي حر اصيل، يوم ضاقت الدنيا على الشعراء العرب لم تكن الشام إلا جنة وارفة لهم سلو المبدعين العرب: لماذا حظيت الشام بكل هذا الثراء من الابداع، وحظيت بالاف القصائد التي لو جمع بعضها لكانت تلالا من الموسوعات، وقد فعل البعض ذلك، وهذا يحتاج إلى تجديد كل يوم وكل ساعة.‏

الجواهري شاعرنا العظيم وثالث الرافدين، نهر الابداع المتدفق بينه وبين الشام حكايا وحب وعطاء، له فيها الاف القصص ومئات القصائد، هي معشوقته التي لا يريد ان يفارقها وفيها جثمانه بعد أن اوصى ان تكون ارض الشام مثواه الاخير، تمر هذه الايام ذكرى رحيله، فما الذي يمكن للمرء ان يقدمه في هذه الذكرى، وهو الباقي بيننا بكل ابداعه وعنفوانه، في الشام لها و لسورية للعرب ولكل حر ابي كان صوته، وكانت غربته ونضاله، من منا لايصدح برائعته دمشق يا جبهة المجد، ولكن له عشرات القصائد في دمشق، وهي من عيون الشعر، وبهذه المناسبة من اللائق ان نذكر بقصيدته: دمشق الجميلة التي مطلعها:‏

كؤوسُ الدمعِ مُتْرَعةٌ دِهاقُ‏

وللحزنِ اصطباحٌ واغتباقُ‏

مضى «فرْعَوْنُ» لم تَفقِدْهُ مصرٌ‏

ولا «هارونُ» حنَّ له العراق‏

أُديف «الرافدان» فلن يرادا‏

ولا «بردى» من البلوى يُذاق‏

وكيف يَلَذُّ للوُرّادِ ماءٌ‏

عليهِ من بنيهِ دمٌ يُراق‏

ويعرف الشاعر أن المؤامرات تحيق بدمشق من كل حدب وصوب ولهذا فهي الميزان وهي الجبهة الاولى والاخيرة بوجه هؤلاء الغزاة الذين يريدون النيل منها، دمشق لتبقي صامدة ابية قوية، فمنك الثبات ومنك القوة والبهاء:‏

ثباتاً يا دِمَشقُ على الرزايا‏

وتوطيناً وإن ضاق الخناق‏

وفوزاً بالسِّباق وليس أمراً‏

غريباً أن يكونَ لكِ السباق‏

دمشقُ وأنتِ غانيةٌ عروسٌ‏

أمشتبك الحرابِ لكِ الصََّداق؟‏

أذنباً تحسبون على البرايا‏

إذا ما ضويقوا يوماً فضاقوا‏

بعين اللهِ ما لقيتْ شعوب‏

لحد السيف مكرهةً تُساق‏

عجافاً أُطلقت ترعى ولكن‏

معاهدة القويّ لها وَثاق‏

وعيقَتْ مُذْ بَغَتْ حقاً مضاعا‏

وساموها الدمار فلمْ يُعاقوا‏

نعم، سورية هي التي تدافع عن الشعوب وعن والقضايا العربية العادلة، وهي المؤشر على الحق والحقيقة، ولايمكن لاي عربي ألا يكون في صفها ومعها ومن أجل نضالها وانتصارا لها، لأنه ينتصر لنفسه ولمستقبله ووطنه:‏

ذروا هذي الشعوبَ وما اشتهته‏

مذاقُهُمُ لهمُ ولكم مذاق‏

تحررتِ البلادُ سوى بلادٍ‏

ذُيولٍ شانهن الالتحاق‏

أبابُ الله يُفتح للبرايا‏

وعن هذي البلاد به انغلاق‏

وكيف تسير مطلقةً بلادٌ‏

عليها من احابيلٍ نطاق‏

فيا وطني ومن ذكراك روحي‏

إذا ما الروحُ أحرجها السياق‏

أُشاق إلى رُباكَ وأيُّ حرٍّ‏

أقَلَّتهُ رُباك ولا يُشاق‏

ويا جوَّ العراقِ وكنت قبلاً‏

مداواةُ المراض بك انتشاق‏

لقد خَبُثَتْ الأنفاسُ حتى‏

لروحي منك بالروح اختناق‏

على «مدنية» زهرت وفاقا‏

سلامٌ كلما ذُكرَ الوفاق‏

تولى أسّها الباني اعتناء‏

وشيد ذِكْرَها الحَسَنَ اتفاق‏

أُشاق لها اذا عنَّت خيامٌ‏

وأذكرها اذا حنَّت نِياق‏

وللجواهري قصيدته الرائعة ايضا دمشق يا جبهة المجد، وهي المعلقة على جدران الزمن، لأنها لدمشق و لسورية للعروبة للشام، لكل حر ابي:‏

يا جِلَّقَ الشَّامِ والأَعْوامُ تَجْمَعُ لي‏

سَبْعاً وسَبْعينَ ما الْتاما ولا افْتَرَقا‏

ما كانَ لي منهما يومانِ عِشْتُهُما‏

إلاّ وبالسُّؤْرِ مِن كَأْسَيْهِما شَرِقا‏

يُعاوِدانِ نِفاراً كلّما اصْطَحَبا‏

ويَنْسَيانِ هوىً كانا قدِ اغْتَبَقا‏

ورُحْتُ أَطْفو على مَوْجَيْهِما قَلِقاً‏

أَكادُ أَحْسُدُ مَرْءًا فيهما غَرِقا‏

يا لَلشَّبابِ يَغارُ الحِلْمُ مِن شِرَةٍ‏

بهِ، وتَحْسُدُ فيهِ الحِنْكَةُ النَّزَقا‏

ولَلبَساطَةِ ما أَغْلى كَنائِزَها‏

(قارونُ) يُرْخِصُ فيها التِّبْرَ والوَرِقا‏

تَلُمّ كأْسي ومَن أهْوى، وخاطِرَتي‏

وما تَجيشُ، وبَيْتَ الشِّعْرِ والوَرَقا‏

أَيَّامَ نَعْكِفُ بالحُسْنى على سَمَرٍ‏

نُساقِطُ اللَّغوَ فيه كَيْفما اتَّفَقا‏

إذْ مسْكَةُ الرَّبَواتِ الخُضْرِ توسِعُنا‏

بما تَفَتَّقَ مِن أنْسامِها عَبَقا‏

إذْ تُسْقِطُ (الهامَةُ) الإصْباحُ يُرْقِصُنا‏

و(قاسيُونُ) علينا يَنْشُرُ الشَّفَقا‏

نَرْعى الأَصيلَ لِداجي اللّيلِ يُسْلِمُنا‏

ومِن كُوىً خَفِراتٍ نَرقُبُ الغَسَقا‏

ومِن كُوىً خَفِراتٍ نَسْتَجِدُّ رُؤىً‏

نَشْوانَةً عَن رُؤىً مَمْلولَةٍ نَسَقا‏

آهٍ على الحُلْوِ في مرٍّ نَغَصُّ بهِ‏

تَقَطَّرَا عَسَلاً في السُّمِّ واصْطَفَقا‏

يا جِلَّقَ الشَّامِ إنّا خِلْقَةٌ عَجَبٌ‏

لم يَدْرِ ما سِرُّها إلاّ الذي خَلَقا‏

إنّا لَنَخْنُقُ في الأَضْلاعِ غُرْبَتَنا‏

وإنْ تَنَزَّتْ على أَحْداقِنا حُرَقا‏

مُعَذَّبونَ وجَنَّاتُ النَّعيمِ بنا‏

وعاطِشونَ ونَمْري الجَوْنَةَ الغَدَقا‏

وزَاحِفونَ بِأَجْسامٍ نَوابِضُها‏

تَسْتَامُ ذِرْوَةَ (عِلِّيِّنَ) مُرْتَفَقا‏

نُغْني الحَياةَ ونَسْتَغْني كأنَّ لنا‏

رَأْدَ الضُّحى غَلَّةً والصُّبْحَ والفَلَقا‏

يا جِلَّقَ الشَّامِ كم مِن مَطْمَحٍ خَلَسٍ‏

للمَرءِ في غَفْلَةٍ مِن دَهْرِهِ سُرِقا‏

دمشق عشتك ريعاناً وخافقة‏

ولمّة والعيون السود والأرقا‏

وها أنا ويدي جلدٌ وسالفتي‏

ثلج ووجهي عظم كاد أوعرقا‏

وأنت لم تبرحي في النفس عالقة‏

دمي ولحمي والأنفاس والرمقا‏

تموّجين ظلال الذكريات هوى‏

وتسعدين الأسى والهمّ والقلقا‏

فخراً دمشق تقاسمنا مراهقة‏

واليوم نقتسم الآلام والرهقا‏

على المدى والعروق الطهر يرفدنا‏

نسغ الحياة بديلاً عن دم هرقا‏

دمشق صبراً على البلوى فكم صهرت‏

سبائك الذهب الغالي فما احترقا‏

وعند أعوادك الخضراء بهجتها‏

كالسنديانة مهما تساقطت ورقا‏

أضف تعليق


كود امني
تحديث

مواقع المؤسسة

الانتشار الأسرع