من حيث إن النص ليس نسقاً مغلقاً من الرموز والإشارات والدلالات وإنما هو خطاب مثبت ومفتوح لا تنفك عنه حركة القراءة والنقد والتواصل الفكري وتداول المفاهيم ورؤوس أموال معرفية بين القارئ والكاتب، لذلك دفع هذا النشاط الفكري والنقدي الدؤوب والحوار الدائم بين القارئ والمقروء فلاسفة التأويل إلى دراسة ظاهرة فهم المعنى الذي يحتويه النص ومعرفة إذا كان هذا المعنى يعبر فعلاً عن مقاصد وأهداف المؤلف، ومن ثم يمكن معالجة أي فعل أو حركة بنفس المنحى من خلال رصد مقاصد الفاعل وإدراك المعنى الذي تنطوي عليه أفعاله..

فالاتجاه الوضعي يرى أن فهم المعنى ينحصر فقط في إعادة تركيب ذهني لجملة المقاصد والأهداف، لكن هذا الرأي يؤسس فقط الفرضيات التي تفسر الأسباب التي من خلالها يسلك الفعل هذا السلوك أو ذاك دون أن يرتقي إلى درجة المنطقية والعلم، وهذه الدرجة تتجلى في الحالة التي تتأسس فيها الفرضيات التفسيرية ضمن نظريات عامة للسلوك البشري ومن ثم التحقق من هذه الفرضيات عبر مناهج الملاحظات التجريبية، لكن فلاسفة التأويل يصرّون على أسبقية فهم طبيعة فعل ما أو اعتقاد معين كنشاط علمي على تفسير انبثاق أو ظهور هذه المقاصد والاعتقادات ويبقى الإشكال في علاقة التفسير بالفهم، على أن دلتاي أرجع التفسير إلى ميدان علوم الطبيعة والفهم إلى علوم الفكر مؤكداً أننا نفسر الطبيعة ونفهم الحياة النفسية، وهذه العلاقة المعقدة بين التفسير والفهم قد عالجها هيلمهولتز من خلال إمكانية تطبيق الاستقراء في ميدان علوم الفكر وإدراك موضوعات علوم الطبيعة عبر نوع من الرقة والحساسية المرهفة.

المصدر : سانا

أضف تعليق


كود امني
تحديث