في كتابيه «شرسٌ هذا الشتاء يا حبيبتي، وأين شجرة الوطن يا أبي؟» يبدو حسين عبد الكريم؛ مُفارقاً لكلّ ما عُرف عنه من تنويعات أدبية، سواء كانت شعراً، أم قصة قصيرة، أم رواية، وحتى خواطر.. ففي هذين الكتابين الصادرين حديثاً؛ يُخوّض عبد الكريم في كلّ ذلك. حتى إن النصوص نفسها تنأى عن التجنيس، وفي محتواها يُمكن للمتلقي أن يجد كل ما تقدم، حتى في النص الواحد، يستطيعُ القارئ أن يتلمس: سرداً روائياً، حكايات وأخباراً قصصية، بكل ذلك الدفق الشاعري والعافية اللغوية، وهذا الأخير – الشعر – الذي يحشرُ نفسه في كل سهوب النصوص. ولأن الأمر كذلك؛ فقد اختار عبد الكريم تسميةً أو «جنساً» مُخاتلاً ليُجنّس به كتابيه، وذلك بأنه وضّح هوية الكتابين بـ «أوجاع شعرية» مُكثفاً بذلك كل تلك التنويعات التي اختار أن يبوح بها بين دفتي كتابيه.

في هذه «الأوجاع الشعرية» التي تُذكرنا بما شغف به شعراء عصر الرومانتيكية في بدايات القرن العشرين، من هذا الحزن الشاعري المُفعم عذوبة، والمنجدل مع الطبيعة حتى التماهي، لكنها الشعرية المعجونة بالمرأة واللغة أيضاً حتى بدت التكوينات الثلاثة لا تنفصمُ عراها ككائن واحد، وهي التي تُشكّل أوجاع الشاعر، وتبني عمارة نصه.
في هذا الغوص لحسين عبد الكريم يفرُّ بعيداً عن التقاليد الأدبية، ليس في مسألة تجنيس ما يكتب، سواء بالنصوص داخل الكتاب الواحد، وحتى بماهية كل نص بمفرده، بل حتى في اللغة ذاتها، حيث بدا حسين عبد الكريم يُقيمُ مهرجاناً لها، وذلك من خلال التنويعات اللغوية التي يُشكّل بها بستان الكلمات، هذه اللغة التي تُحيّرك بين الواقعية المُفرطة التي تُجاور لغة الصحافة وتقريريتها، والعامية المُعتادة، ثم العلو بها فجأة إلى أعالي المجاز، حتى تاهت الحدود بين الضفتين.
وحتى في شخصيات النص الواحد؛ أيضاً سيضعك الكاتب أمام مرآة الحيرة؛ هل هذا الرجل متورطٌ باللغة أم بالمرأة، هل يُخاطب امرأة من أحاسيس وكيان موجود، أم هي امرأة من بلاغة ومجاز، ويزيد في التخويض سباحةً عندما يُشرك كل ذلك بمفردات الطبيعة، لتبدو لغة ريفية تقطف من كل معاجم النباتات والأشجار برغم أنه في بعض النصوص يُحاول أن يوضح ما يسعى إليه، وإن كان بذلك الإيضاح يزيد النص غوايةً لغوية.. حسين عبد الكريم هو كل ذلك بكامل بساطته ولغته الريفية، أو المدنية.. الحقولية، أو الحارتية، البستانية أو البحرية.
«مُفردةٌ تُمشط جديلتها ك رُمانة،
أو شجرة كينا، أو زيتونة،
أو تنعسُ كفضاءٍ ربيعيّ مُطمئن،
أو تقوم للاعتناء بالدلالات والمعنى.
وجملةٌ تتأبطُ نسمةً جبلية،
وتُباغتُ بحالها حال جملةٍ على شاطئ عاشقين.
المُفردات نساءٌ يكتحلن بأنوثة المعاني،
ويزرعن في المشاعر الدهشة والجاذبية».
لغة حسين عبد الكريم في هذين الإصدارين؛ تأتي على شكل سَكْبَات وجدانية لافتة بمنظورِ الحاذق، لتطرح مواضيع شعرية تستندُ على تجريد إيقاعات الألم والسواد الكلي… وثمة إيقاعات رومانتيكية وكأنها موجات لأريج الزهور غايتها العودة إلى عوالم الأنوثة كدفق لولادة جديدة…
كل ذلك بلغة تتلوى كراقصة على مختلف الإيقاعات؛ لغة تشغف بحميمية العامية مرةً، وأحياناً تتوثب كلغة الفيسبوك، ثم تذهب بعيداً بكل جزالة لغة القواميس، تلبس معاطف الفصحى، أو فساتين التفعيلة، وحتى بثياب البحر لقصائد النثر، لغة «خلطة» كيمياء غريبة؛ هنا تتجاور بحور الخليل مع زجل ابن قزمان وعتابا قرى الجبال مع فكر أدونيس وتراكيب الماغوط، لغة شكلت لحسين عبد الكريم كل هذا الفضاء للّعب اللغوي حتى بدا كنحّات في حجارة اللغة، يُقدم في كل ضربة أزميل تكويناً جديداً، نصوص تُقيمُ مهرجات ملونة للغة، يتجاور في بساتينها التفاح والليمون مع الجوز والسنديان والدلب؛ تترادفُ جميعها كأطفال المدارس لأداء نشيد الصباح، تُغني ملء مكنوناتها وحمولاتها من رمز ومجاز لتجعل من ضيق العبارة؛ الفضاءات الرحبة، وتوسعُ في السهول الممتنعة.
«لتأليف كتاب الشوق
من أخمص القدمين حتى آخر القدّ؛
سوريّة الضحكات
والشفتين والخدّ..
تملأ الفنجان
والأحيان رشفتُها ببوح عاطر الشّهدّ
تُحطّب في حقول القلب والأكوان عشقاً يافعاً
بمناجل الودّ».
وكأن الكاتب هنا يحملُ لغته كدرع يتقي به شراسة الشتاءات ومواسم القحط والخراب، ليرسم ربيعاً لغوياً لا يفنى بهذه اللغة المُخاتلة، اللغة الحبيبة أو الحبيبة اللغة، هل هي قصيدة لامرأة أم امرأة قصيدة، وعلى «هدي» هذا النوسان؛ يجري نهر اللغة عند حسين عبد الكريم، وهو يُخضّر عشب الضفتين، بنعومة مياهٍ عذبة، وهي تُقبِّل في مصباتها الأخيرة؛ الشفاه المالحة للبحر.